رأس الفيل (القلابات) وتواوا (القضارف) في رواية جيمس بروس (1771–1772)

عبد الجليل سليمان 

(الحلقة الثانية)

تأخذ رحلة جيمس بروس إلى رأس الفيل ثم إلى تواوا وبيلا وسنار شكلها الحقيقي عندما تُقرأ كما رواها هو، لا باعتبارها انتقالًا بين نقاط على الخريطة، بل بوصفها عبورًا في منطقة حدودية تتداخل فيها سلطة الحبشة مع نفوذ سنار، وتتحرك فيها جماعات عربية ومحلية بين القرى والغابات والآبار ومجاري السيول.

وقد أفرد بروس في المجلد الثالث فصلًا مستقلًا بعنوان «The Author made Governor of Ras el Feel»، ثم خصص في المجلد الرابع ثلاثة فصول متتالية لرأس الفيل والطريق إلى تواوا والإقامة فيها ثم مغادرتها إلى بيلا وسنار.

رأس الفيل كما وجدها بروس

حين وصل بروس إلى خور كاكاموت (Hor-Cacamoot) في رأس الفيل (القلابات – المتمة)، وجد نفسه في الموضع الذي كان ياسين قد اتخذ منه قريته الرئيسة (موضع الإدارة).

وكان بروس قد غادر تشركين (Tcherkin) في 15 يناير 1772، وسلك طريقًا وسط غابات كثيفة ومر بقرى صيادي الفيلة؛ التي معظم سكانها من المسلمين. وفي 22 يناير وصل إلى ماريام أوهّا (Mariam-Ohha)، ثم بلغ في الثالثة والنصف بعد الظهر خور كاكاموت.

ويشرح بروس الاسم بنفسه فبقول: (HOR) هو مجرى السيل الجاف الذي يتوقف عن الجريان ما أن يتوقف هطول الأمطار، و (وCacamoot) وفقاً لبروس نفسه، تعني ظل الموت؛ لذلك ترجم الاسم إلى «وادي ظل الموت “.

يقع خور كاكاموت في سهل وسط غابة، لم يُقطع منها إلا القدر اللازم لبناء الأكواخ (القطاطي) وزراعة الذرة. وكانت مساكنه بائسة، وكان الطعام الأساسي للسكان لحم الفيل ووحيد القرن، ولا سيما الفيل، الذي كان لحمه أوفر، وعاجه ذا قيمة عالية.

وكان بروس في ذلك الموضع ضيفاً على نائبه ياسين ومقيمًا في قريته، لا مجرد عابر. وقد مكث في رأس الفيل قرابة شهرين، ثم بدأ رحلة الخروج منها في 17 مارس.

من المحرر والمترجم:

“أما تحديد خور كاكاموت بأنه خور أبي نخيرة الحالي الفاصل بين القلابات السودانية والمتمة الإثيوبية، فيبقى مسألة جغرافية تحتاج إلى المطابقة الدقيقة بين إحداثيات بروس والموضع الحديث (الحالي)؛ ولا استطيع الجزم بالتطابق.

لكنني أنوه أن بروس ثبت إحداثيات خور كاكاموت عند 13°01′33″ شمالًا، كما أعطى موقع تواوا عند 14°02′04″ شمالًا. وذكر أن خور كاكاموت يقع نحو 65 ميلاً شرق تواوا، وأن رأس الفيل نفسها تقع نحو أربعة أميال غرب خور كاكاموت.¹² وبالتالي فمن المُرجّح أن يكون كاكاموت هو أبو نخيرة الحالي، ورأس الفيل هي المتمة القديمة قبل أن تتوسع نحو ضفاف أبو نخيرة أو (كاكاموت) وتعبره إلى القلابات الحالية “.

رأس الفيل: تسع وثلاثون قرية

لم تكن رأس الفيل قرية واحدة. يقول بروس: إنها كانت تتكون في السابق من 39 قرية، وكانت قبائل عرب أتبره تأتي إليها بالسمن والعسل والخيول والذهب وسلع أخرى.

وكانت العلاقة بين شيخ عرب أتبره وشيخ رأس الفيل تقوم على تبادل الهدايا السنوية، وكان فضيلي شيخ عرب أتبره يرسل حصانًا دنقلاويًا و موس أو موسين وكلبين، بينما يرد شيخ رأس الفيل ببغل وجارية. وكان هذا التبادل يحافظ على طاعة العرب القاطنين بين المنطقتين.

لكن حرب الإمبراطور الحبشي أديام سَجّدْ المُلفب ب ( إياسو الثاني) –( 1729- 1753) على سِنار غيّرت الوضع. فمنذ تلك الحملة لم يعُد السلام قائمًا بين الدولتين، وأصبح العرب الذين قاتلوا الفونج مع الملك الحبشي عام 1744 ثم هُزموا يعيشون على حدود الحبشة، تحت حمايتها، ولا يدفعون الجزية لسنار.

ومن هنا أصبحت رأس الفيل نقطة عسكرية وسياسية في الوقت نفسه.

ويروي جيمس بروس: أن إياسو الثاني أقدم على حملته ضد سنار بعد أن أثارت سخرية الأحباش من قلة نشاطه العسكري غضبه؛ فقد انتشرت في غوندر حكايات ساخرة منه أطلق عليها بروس «حملات إياسو الصغير»، فقرر أن يمحو عنه تهمة الخمول والتقاعس عن الغزو بحملة كبرى على سلطنة سنار. ويؤكد بروس أن الأمر لم يقتصر على غارة حدودية على عرب أتبرا، كما يزعم البعض، وإنما «حملة نظامية بجيش ملكي» استهدفت مباشرة مدينة سنار عاصمة الفونج ، كما استهدفت طرد الفونج من أتبره.

حينها كان بادي الرابع إبن نوّل، المعروف بأبي شلوخ سلطاناً على سنار ، وكانت علاقته بإياسو الثاني في أسوأ أحوالها، لكنها لم تبلغ مرحلة الحرب كما لم تستقر على صلح أو معاهدة (لا سلم لا حرب)؛ ومع ذلك جمع إياسو جيشًا كبيرًا، وأسند قيادته إلى راس ولد لؤل (Ras Welled de l’Oul)، وجعل كاسماتي ورقِنّه (Kasmati Waragna) ) قائده المتقدّم / فيتوراري (Fit-Auraris)، بينما احتفظ لنفسه بقوة نخبوية لتكون احتياطًا وتشارك في المعركة الحاسمة فقط.

وبحسب بروس، اتسم تقدم الجيش الإثيوبي بالعنف الشديد؛ إذ يقول إن إياسو وقادته أطلقوا لجنودهم العنان في أراضي سنار، وإن السكان من العرب والرعاة فروا إلى الغابات الممتدة إلى الحدود الإثيوبية عبر نهر الدندر.

وانقسم العرب فريقين: انضم بعضهم إلى أياسو الثاني، وكان من بينهم الضباينة ونايل ود عجيب (Nile Wed Ageeb)، الذي يسميه بروس «أمير العرب»؛ والذي انضم إلى الجيش الحبشي برجاله وعربانه فيما انقسم عربان الدندر فريقين، فريق انضم إلى الجيش الحبشي، بينما تجمع فريق آخر عند النهر، واتخذه مأمناً لكسب الوقت حتى يُمكّن ماشيته من العبور إلى الضفة الأخرى، على أن يلحقوا بها إذا هُزم جيش الفونج.

عند الدندر وقعت أول مواجهة مباشرة. حيث هاجم الفيتوراري كاسماتي ورقِنّه، بحضور الملك إياسو الثاني نفسه، عرب الدندر، فـكسرهم وبددهم وأوقع بينهم قتلى كثيرون، ثم ترك ورقنة القائد راس ولد لؤل والملك والقوة الرئيسة في معسكر على الضفة، وانتهز حالة الاضطراب التي أحدثتها هزيمة العرب، وتقدم بإطراد نحو النيل لكي يحاصر مدينة سنار. وهنا ينبغي التشديد على أن بروس ينسب فعل التقدم إلى النيل إلى ورقنة، لا إلى الملك إياسو الثاني.

في المقابل كان الملك بادي الرابع قد جمع جيشًا كبيرًا في الضفة الأخرى من النيل، لكنه، وفق رواية بروس، تراجع عن مواجهة أياسو مباشرة. وفي هذه اللحظة تدخل خميس، أمير دارفور الملتجئ إلى سنار حينها، واقترح على بادي خطة لاستدراج جيش إياسو إلى عبور النيل بقوة محدودة، بينما يعبر هو – أي خميس- بقوة من الفرسان لمهاجمة الجيش الرئيسي الذي يقوده ولد لؤل في معسكرة، من الخلف. وافق بادي على الخطة، وانسحب من واجهة سنار، بينما عبر خميس( يسميه بروس حاميس) النيل في مسار التفافي.

وفي أثناء ذلك تقدّم الملك إياسو إلى منطقة (باسبوتش (Basboch، محاولاً الوصول إلى موضع مقابل لمدينة سنار، لكنه وجد النهر عميقًا والتيار شديد الانحدار بحيث تعذر على المشاة العبور، وفي الأثناء حدث اضطراب كبير جداً في المدينة وفرّ سُكانها بشكل ٍجماعي، ما زاد من إصرار الملك الحبشي على الاستيلاء عليها.

 في الوقت نفسه انتبه أحد العرب التابعين لنايل ود عجيب إلى مناورة خميس وأبلغ سيده، الذي حذر بدروه إياسو من الخطر القادم من الخلف. وعندها أدرك الملك الحبشي متأخراً أن جيش ولد لؤل قد يُدمر قبل أن يتمكن من نجدته، فقرر الانسحاب على وجه السرعة.

لكن خميس كان قد عبر النيل بالفعل، ووصل معسكر ولد لؤل في المساء، وفاجأ الجيش الحبشي بمقتلة عظيمة ومباغتة.

  ويصف بروس المشهد بقوله: ” إنّ الأحباش قُتلوا وديسوا في كل مكان قبل أن يتمكنوا من إبداء أدنى مقاومة”.

احتمى بعض الفارين من جيش ولد لؤل بالغابات، لكن المنطقة الواقعة خلف الدندر كانت، بحسب بروس، شحيحة المياه إلى حد قاتل. ومع ذلك تمكّن القائد ولد لؤل وبعض كبار ضباطه، بمساعدة عربان نايل ود عجيب الموالين لهم، من الفرار والالتحاق بالملك بإياسو بعد يومين.

أما الجيش الحبشي، الذي يقدر بروس عدده بـ18 ألف رجل، كان قد هلك إما بالسيف أو بالعطش أو الوقوع في الأسر. واستولى الفونج كذلك على الرموز والمقدسات التي كان الجيش المهزوم يحملها، ومنها أجزاء مما كان يعتبره الأحباش من الصليب الحقيقي وصورة إكليل الشوك، ونقلوها ظافرين إلى سنار.

من جهته تمكن الفيتوراي (أي القائد الأعلى) كاسماتي ورقنة الذي كان في الجبهة الأمامية من الانسحاب بجيشه وعاد هو وجنوده سالمين إلى الحبشة ، وقد توفي – بحسب بروس «بعد أن بلغ سنًا متقدمة ونال مجدًا كبيراً»، وأنه ظلّ وفيًا وخدم الدولة بشجاعة وحكمة ونشاط.

أما العرب الذين كانوا انضموا إلى أياسو في بداية الحملة، فقد انقلب بعضهم بعد الهزيمة إلى مولاة الفونج مرة أخرى ولإظهار ذلك شرعوا في ملاحقة فلول جيش ولد لؤل. وعندما علم إياسو بموقفهم هذا، عاد إليهم كاراً وانتقم منهم.

 ويقول بروس إنه «دمر بالنار والسيف جميع أسر أولئك العربان الذين تخلوا عنه»، واستمر في ذلك حتى بلغ نهر تكازي (Tacazzé). وكان أولئك العرب والرعاة قد عاد كثير منهم بعد تدمير جيش ولد لؤل إلى حضن سنار، لكنهم فوجئوا بعودة جيش إياسو على رأس قوة جديدة وهو يحرق بلادهم ويدمرها.

وفي النهاية عاد إياسو إلى غوندر بمظهر المنتصر، محملًا بالغنائم والماشية التي أخذها من العربان، بينما كانت الحقيقة، بحسب بروس، أن حملته انتهت بخسارة جيشه الرئيس وانتصار سنار. ويشير بروس بسخرية إلى أن البلاط الحبشي احتفل بالحملة وكأنها انتصار، رغم أن جيش ولد لؤل المؤلف من 18 ألف رجل كان قد هلك.

شنقالا وبازا

عودة إلى رحلة بروس إلى رأس الفيل التي سيصبح حاكماً عليها لفترة وجيزة، يصف الرجل الطريق إليها بدقة وعناية، يقول:

كانت المنطقة المحيطة برأس الفيل تضم جماعات من شنقالا (Shangalla) وفي الطريق إلى رأس الفيل مرّ بروس بـ سنكاهو (Sancaho)، وهي منطقة حدودية قديمة للحبشة، ووصف سكانها بأنهم بازا (Baasa)، وقال إنهم من الشنقالا الذين اعتنقوا الإسلام. وكانت سنكاهو تعتمد على صيد الفيلة، حيث كان رئيسها، الأرباب جيمبارو (Erbab Gimbaro)، رجلًا ضخم البنية، اشتهر بين قومه بصيد الفيلة حتى قيل إنه كان قادرًا على قتل الفيل بضربة رمح.¹⁴ وكان جيمبارو تابعًا لأتو كونفو، وقد جاء مع ياسين في حملة سربراكسوس (Serbraxos) وأحضر أكثر من مئة من رجال بازا الأشداء إلى جيش الملك.

وهذه التفاصيل مهمة لأن بروس لا يرى رأس الفيل كمنطقة عربية فقط؛ بل يصف حزامًا واسعًا من الصيادين البازا والشنقالا المسلمين، يعيشون في قرى صغيرة وسط الغابات. كما يذكر بازا وأحياناً يسميهم دوبينا شنقالا (Baasa or Dobena Shangalla)، ويقول إنهم كانوا يملكون البلاد الواقعة نحو أربعة أيام إلى الشمال الشرقي من الموضع الذي كان فيه، أي خور كاكاموت.

صيادو الفيلة والغابات

في الطريق إلى رأس الفيل، كانت سُكان القرى يعتمدون على صيد الفيلة ووحيد القرن. وكانت الغابات كثيفة إلى درجة أن بروس وصفها بأنها من أكثر الغابات كثافة واستعصاءً على الاختراق التي رأى مثلها في حياته. وكان الصراع لا ينقطع بين صيادي الفيلة وشنقالا؛ إذ كان الصيادون يخرجون لاصطياد الحيوانات ثم يواجهون خصومًا بشريين يراقبون المنطقة نفسها.

وفي إحدى المناطق وجد بروس مورداً مائيًا يرتاده صيادو الفيلة وهم في الغالب (بازا) وخصومهم من شنقالا، وقد سال فيه دم كثير من رجال خرجوا من بيوتهم لصيد الحيوانات فعادوا إلى مواجهة البشر.

المرض في خور كاكاموت

عند وصوله إلى خور كاكاموت اشتد مرض بروس، وكان يعاني من الزحار” الدوسنتاريا”، وقد اُضطر إلى اللإستعانة بعشّاب من شنقالا، أعطاه علاجًا من نبات يسميه ووقينوس (Wooginoos)، وعلّمه طريقة استعماله. يقول بروس إن هذا العلاج أنقذه من المرض.

وكانت هذه واحدة من العلامات التي تكشف طبيعة العلاقة بين بروس والسكان المحليين: الرجل الأوروبي الذي جاء بصفته حاكمًا كان في الوقت نفسه يعتمد على معرفة سكان البلاد بالنبات والماء والطريق.

Exit mobile version