كان اتجاهه شماليًا غربيًا، وسط الشجيرات الكثيفة، وبرفقته أحد عشر رجلًا عُراة يحملون الملح على الحمير. وبعد ساعات وصل إلى فلاتي (Falaty)، القرية الشرقية لرأس الفيل، التي تبعد عن خور كاكاموت ثلاثة أميال ونصف فقط.
وكان بجوار فلاتي جبل صغير رأى بروس أن طرفه يشبه رأس الفيل بالفعل، ومنه جاء اسم رأس الفيل. وكانت المياه هناك آسنة سيئة؛ إذ كان الناس يحفرون في الرمل (جمامات) حتى تتجمع المياه الراشحة، وكانت مالحة أو عفنة وغير صحية.
وفي 18 مارس واصل طريقه عبر الغابات الكثيفة، حتى وصل إلى سرف الشيخ (Surf el Shekh)، وهو مجرى سيل جاف، لكنه كان يحوي ماءً عذبًا في الرمل تحت الصخور. وقد ملأوا قربهم الجلدية بالماء، لأن بروس كان يعرف أن الماء الجيد قليل في الطريق إلى تواوا.
من سرف الشيخ إلى الغابة المحروقة
تابع بروس رحلته وسط الغابات، ومر بمواقع ومجارٍ مياه عديدة.
وكانت الرحلة شاقة إلى حد أن الرجال كانوا يقطعون طريقهم وسط الأشجار والشجيرات، فيما كانت الحيوانات تحمل المؤن والماء. وفي بعض المواضع كانت الغابة تحترق؛ إذ كان الصيادون والعرب يشعلون النار في الحشائش والشجيرات الجافة، إما للصيد أو للتخلص من الذباب، فتنتشر النار بسرعة عبر الغابة.
وكانت هذه الحرائق، بحسب وصف بروس، تقضي على أوراق الأشجار وتترك الغابة بلا ظل تقريبًا، باستثناء المواضع التي توجد فيها قرى ومياه.
راشد وسمسم والضباينة.
وصل بروس إلى راشد (Rashid)، وهي منطقة كانت في السابق تضم قرى كثيرة، لكنها أصبحت خرابًا بفعل الضباينة (Daveina).، ومع ذلك كانت تمتلك سبع أو ثماني آبار من الماء الجيد، وكانت، على حدّ وصف بروس، مكانًا جميلًا بصورة استثنائية وسط صحراء قاحلة. ثم يذكر سمسم (Sim Sim)، وهو نبع غزير أقام العرب حوله حوضًا كبيرًا عميقًا (حفير). وكانت المنطقة في الطريق المباشر إلى بيلا وسنار، وكانت الضباينة تضع قطعانها هناك، بعيدًا عن الذباب وعن قوات سنار.
وكان قرب سمسم من رأس الفيل يمنح الضباينة سوقًا كبيرة؛ فيجلبون إليها المؤن، ويحصلون في المقابل على ما لا يتوفر في بلادهم.
شيخ نايل يُحذّر بروس
كان شيخ قبيلة نايل (فرع من الضباينة) من العرب المقيمين في الحبشة قرب رأس الفيل منذ حملة إياسو الثاني، وقد حذر بروس من شيخ فضيلي زعيم عرب أتبره المقيم في تواوا (TEAWA) ؛ إذ أخبر بروس أن الوعود الودية التي يقدمها فضيلي لا ينبغي الوثوق بها.
وكان بروس قد اختار الطريق عبر أتبره اعتمادًا على علاقته السابقة بغضيلي – شيخ تواوا، لكنه بدأ الآن يشك في سلامة اختياره. وقد اعترف لاحقًا بأنه لو لم يكن الضباينة قد غادروا إلى سمسم وأقاموا في الطريق إلى بيلا، لكان فضّل السفر معهم بدل المرور بتواوا.
جهينة والحرب مع الضباينة
كانت جهينة (Jehaina) تخشى الضباينة في ذلك الوقت .
فقد أخبر بروس أن جماعة من جهينة كانت معسكراتها عند جبل السريف (Jibbel Ifriss) قرب تواوا، وكانت تخشى الضباينة لأنهم في السنة السابقة دمروا محاصيلها وقراها أو حصدوا محاصيلها لأنفسهم، ولذلك اتفق شيخ قبيلة نايل مع بروس على أن يرسل رجلًا من أقاربه، متزوجًا من إحدى جماعات جهينة، ليكون مع القافلة متنكرًا في هيئة أحد نُجّار الملح، ويعود سرًا إلى رأس الفيل إذا ظهرت أي علامة خطر.
وكان سر الرجل الرجل لا يعرفه إلا بروس وسليمان والخادم اليوناني ميخائيل.
مجاعة غريقانه وانقراض سُكانها
في طريقه إلى تواوا مرّ بروس بـ غريقانه (Garigana). وهناك وجد أثرًا مروّعًا لمجاعة السنة السابقة. كان سكان القرية قد هلكوا الستة الماضيى من الجوع، وبقيت عظامهم غير مدفونة متناثرة على الأرض التي كانت تقوم عليها القرية، واضطر بروس ورفاقه إلى نصب خيامهم وسط العظام، لأنهم لم يجدوا موضعًا خاليًا منها.
وفي 23 مارس، عند السادسة صباحاً، غادروا المكان، وهو اليوم السابع منذ خروجهم من رأس الفيل، متجهين إلى تواوا.
غادروا وقد ملأهم الرعب جراء ذلك المشهد البائس. وبعد ساعة من السير المتواصل بلغوا نهراً صغيراً (خور) كانت لا تزال فيه بركاً متقطعة من المياه، وكانت ضفافه بلا ظل أو أشجار.
في الثالثة وخمس وأربعين دقيقة بعد الظهر – أي بعد 3 أو 4 أميال من أطلال غريقانة – رؤوا تواوا تلوح في الأفق.
تواوا: مقر شيخ أتبره
بعد غريقانه واصل بروس طريقه حتى وصل مساء 23 مارس 1772 إلى تواوا (Teawa)، وهي القرية الرئيسية ومقر شيخ أتبره. وقد قدّر بروس المسافة من خور كاكاموت إلى تواوا بنحو 65 ميلًا، وقسمها إلى نحو 32 ميلًا من خور كاكاموت إلى راشد، و33 ميلًا من راشد إلى تواوا. كما حدد تواوا عند خط عرض 14°02′04″ شمالًا.
وكان فضيلي (Fidele) شيخ أتبره، في نظر قومه رجلًا شجاعًا، وإن كانت شجاعته موضع شك لدى حُكام سنار. وكانت تواوا، رغم ضعفها العسكري، مقر الحكومة. وقد قدر بروس قوتها بنحو 25 فارسًا، منهم عشرة تقريبًا يرتدون الدروع، ونحو اثني عشر سلاحًا ناريًا، بينما بلغ عدد سكانها نحو 1200 من العرب العراةالبائسين المحتقرين.
وكان بروس يرى أن قوتها الحقيقية لا تأتي من جيشها، بل من كونها مقر السلطة.
فضيلي وأسرته ودار الشيخ
عندما اقترب بروس من تواوا خرج فضيلي لاستقباله على حصان، وكان رجلًا في نحو السبعين، ذا لحية طويلة وهيئة رفيعة. وكان له خدم وحرس يحملون الرماح، وكان أمامه طبلان صغيران ومزمار.
قاد شيخ عرب أتبره وزعيم تواوا بروس إلى منزل أُعِد خصيصاً له، ثم عبر معه السوق إلى داره. كان بيت فضيلي مجموعة من البيوت المبنية من القصب (القطاطي)، وقاعة من الطوب غير المحروق (الطين) مفروشة بالحصر(البروش)، وفي وسطها كرسي (ككر) مُخصّص للمقام الرفيع. وكان فضيلي يجلس على الأرض، متظاهرًا بالتواضع، وهو يقرأ القرآن أو يتظاهر بقراءته.
لكن وراء هذا الاستقبال الودود بدا لبروس أن فضيلي يحاول إبقاءه في تواوا.
صراع الإرادات
كان بروس يريد الوصول إلى بيلا ثم سنار، بينما بدأ فضيلي يماطل في توفير الجمال والدواب. وكان بروس يدرك أن بقاءه هنا سيجعله تحت سلطة شيخ أتبره وخذا ما لا يرغب به.
وفي الوقت نفسه كان ياسين نائب رأس الفيل وحاكها الفعلي بعد مغادرة بروس يتابع الأخبار من هناك.
حاكم (نار ا) يشعل الحدود
وفي 13 أبريل وصلت إلى تواوا أخبار خطيرة: فقد صادر أمونيوس (Ammonios)، حاكم نارا (Nara) / الباريا، التابع لأتو كونفو، قافلة من عطبرة جاءت إلى نارا لجلب الملح، واستولى على حميرها وملحها وسجن رجالها. وكانت هذه الحادثة كفيلة بإشعال الحدود.
شيخ جهينة في تواوا
في ذلك اليوم وصل شيخ جهينة نفسه إلى تواوا، وكان بروس يصفه بأنه رجل مسن حسن الهيئة، جاء ومعه عشرة أو اثنا عشر من قومه على الجمال. وجد الشيخ فضيلي والملا جالسين، وأصابت الأخبار الجميع بالذعر. وقال شيخ جهينة إن مثل هذا الإجراء العنيف لم يقع حتى عندما غزا يسوس الثاني سنار، لأن سكان الحدود كانوا وقتها أصدقاء.
وطلب من فضيلي أن يتدخل، وأن يرسل إلى ياسين في رأس الفيل.
وهنا تظهر مرة أخرى أهمية الشبكة التي تركها بروس خلفه في القلابات: ياسين، ونايل، وجهينة، وعلاقاتهم المتشابكة مع أتبره وسنار.
رسائل ياسين
بعد أن تصاعدت الأزمة وصلت إلى فضيلي رسائل من ياسين.، كان غاضبًا من معاملته لبروس، وهدّده بأنه إذا استلم رسائله وبروس لا يزال في تواوا، فإنه سينزل إليها عدوًا قبل انقضاء أسبوعين.
كما هدد الضباينة بإحراق الحقول الواقعة بين تواوا وبيلا إذا لم يتوقفوا عن إيذاء بروس، وأعلن أنه سيغلق أبواب الحبشة في وجوههم، فلا يأكلون خبزًا ولا يشربون ماءً فيها ما دام هو حاكم رأس الفيل.
وأرسل ياسين ثلاثة رجال على الجمال، مسلحين بالدروع وقطع الحديد التي تغطي الرأس.
لكنهم رفضوا دخول تواوا أو الأكل من خبز فضيلي أو شرب مائه، وأقاموا مع جهينة عند جبل السريف حتى يتأكدوا من خروج بروس سالمًا.
المُلا، والحل الذي جاء من بيلا.
كان خروج بروس من تواوا مرتبطًا أيضًا بـ الملا (Moullah) والشريف (Sherriffe) القادمين من بيلا. وكان خادم شيخ بيلا قد وصل تواوا، وكان على اتصال بروس.
وفي النهاية بدأ الضغط على فضيلي يتزايد، خصوصًا بعد أن تبين أن بروس يستطيع الاتصال بياسين وسنار من دون إذنه.
وفي 16 أبريل أُبلِغ بروس بأن الجمال ستكون جاهزة، وأن الماء والمؤن ستوفر له حتى بيلا، لكن عليه أن يصالح فضيلي قبل المغادرة.³¹ وفي 17 أبريل تم الاتفاق، وأعدت الجمال، واستعيد حصان بروس الذي كان فضيلي قد أخذه منه عند وصوله.
وفي صباح 18 أبريل 1772 استعاد بروس ودائعة من فضيلي، وبعد الإفطار خرجوا إلى السوق، وأُحضرت الجمال الثمانية، وحُمّلت قِرب الماء. وغادرت القافلة تواوا في الخامسة مساءً، متجهة نحو بيلا، مستفيدة من الليل لتجنب حرارة النهار.
الخروج من تواوا
كان الطريق إلى بيلا هو الخطوة التي انتظرها بروس طوال أسابيع.
لقد خرج من تواوا بعد أن أصبحت سلامته مرتبطة بثلاثة أطراف: حماية ياسين من رأس الفيل، ومراقبة جهينة، وترتيبات شيخ بيلا.
وفي تواوا نفسها كان بروس قد رأى صورة دقيقة للمجتمع الحدودي: شيخ عربي يحكم من قرية فقيرة، وجهينة في حالة خوف من الضباينة، وقوافل ملح، وخيول، وآبار، وسجناء، ورسائل بين رأس الفيل وسنار، وسلطة ملكية حبشية تتدخل عبر أتو كونفو ورجاله.
غربًا إلى بيلا (Beyla)
ما إن بلغ جيمس بروس تخوم بيلا حتى وجد استقبالًا أفضل من وداعة في تواوا، ثم واصل طريقه إلى سنار (Sennaar). واضعاً بروس بيلا غربًا ، على مسافة تقارب 28 ميلًا، وسنار إلى الشمال الغربي بنحو 70 ميلًا من تواوا.
ما الذي بقي من رأس الفيل في طريق سنار؟
حين غادر بروس رأس الفيل، لم يتركها وراءه تمامًا. فقد بقي ياسين حاكمًا فعليًا عليها، وبقيت علاقاته بالضباينة وجهينة ونايل تتحكم في أمن الطريق، وبقيت الخيول التي كانت رأس الفيل مركزًا لجمعها جزءًا من الصلة بين الحبشة وسنار.
وبقيت أيضًا صورة المنطقة التي رسمها بروس: 39 قرية في رأس الفيل، عرب عطبرة يأتون إليها بالتجارة، شنقالا وبازا في الغابات، صيادو الفيلة، الذهب والخيول، آبار سمسم وراشد، ومجتمعات مهددة بالحرب والمجاعة.
أما الرحلة نفسها فقد كشفت أن الطريق من القلابات إلى سنار لم يكن طريقًا سهلاً و بسيطًا؛ كان شبكة من الأقاليم المتجاورة، تتبدل فيها السلطة من قرية إلى أخرى، ويصبح الماء أحيانًا أهم من السلاح، وتصبح المصاهرة والعلاقة الشخصية بين ياسين وعبد الجليل وفضيلي ونايل وجهينة عاملًا حاسمًا في سلامة المسافر.
وفي هذا العالم الحدودي، كان بروس قد بدأ الرحلة حاكمًا لرأس الفيل، ثم غادرها وهو يعتمد على نفوذ نائبه ياسين، وعلى الرجال والقبائل التي عرفها خلال إقامته، حتى وصل إلى تواوا، ثم خرج منها إلى بيلا، ومنها إلى سنار.