كان يمكن أن تمرّ مشاركة الفنان محمد النصري في احتفالات القوات المسلحة مثل غيرها من المشاركات الفنّية في المناسبات العامة، لولا ذلك المشهد الذي سبق ظهوره، ثم بلغ ذروته لحظة صعوده إلى المسرح..
هتاف الجموع: “سيدا.. سيدا” لم يكن مجرّد تحيّة لفنان محبوب؛ كان أقرب إلى إعلان ترحيب بعودة طال انتظارها، وإلى استفتاءٍ شعبي تلقائي لا يحتاج إلى صندوق اقتراع ولا إلى ترتيب مسبق.. جمهور جاء من تلقاء نفسه، وهتف من تلقاء نفسه، ولم ينتظر من يطلب منه أن يرفع صوته.
والحقيقة أن اختيار النصري، من بين عدد من الفنانين والمغنيات المصنّفين ضمن “نجوم الشباك”، للمشاركة في احتفال المؤسّسة التعاونية الوطنية بأعياد القوات المسلحة، كان اختياراً أصاب شيئاً في وجدان الناس. فقد جاءت الجموع من كل حدب وصوب، ومن جهات شتّى، وكانت هيئاتها ولهجاتها تقول إن الأمر يتجاوز جمهوراً محلياً أو أبناء منطقة بعينها.
لم يكونوا جميعاً من أبناء منحنى النيل، ولا من البيئة التي خرج منها الطمبور؛ كانوا سودانيين من جهات مختلفة، جمعتهم في تلك اللحظة أغنية واحدة، واسم واحد، وذاكرة غنائية مشتركة، وفنان استطاع أن يجعل من خصوصيته الفنّية مساحة تسع الجميع.
ثم صعد النصري إلى المسرح.. عندها تغيّر المشهد كله.
ما إن انطلقت النغمة الأولى من الطمبور حتى اضطربت الجموع وارتفع صوتها، كأرض طال عليها اليباس ثم جاءها الغيث. لم يكن في ذلك التفاعل مجرّد حماس لمطرب أو أغنية؛ كان شيء من العاطفة المؤجّلة ينفلت دفعة واحدة، بعد أن ظلّت مكبوتة طويلاً تحت وطأة الحرب والخوف والنزوح والقلق. كأنّ الناس لم يأتوا ليستمعوا إلى النصري فقط، وإنما ليستعيدوا، ولو لساعات، شيئاً من أنفسهم؛ فرحاً قديماً، وذاكرة لم تستطع الحرب أن تنتزعها.
وهنا يصبح النصري أكبر من مجرّد فنان
لا خلاف أصلاً على أن النصري قامة فنّية عصيّة على الاختزال.. كلمة يحسن اختيارها، ولحن يمنحه روحه، وصوت لا يكتفي بأداء الأغنية وإنّما يسكنها، وتطريب يجعل المستمع طرفاً في التجربة لا مجرّد متلقٍّ لها.
لكن هذه القيمة الفنّية، على وضوحها، لا تفسّر وحدها ما حدث في تلك الليلة. فالموهبة قد تصنع فناناً كبيراً، لكنّها لا تضمن بالضرورة تلك الصلة العميقة والممتدّة بالناس.
بعض الفنانين يقتلهم الغياب؛ تخفت أغنياتهم، ويبهت حضورهم، ثم يعتاد الجمهور المساحة التي تركوها ويمضي إلى غيرهم. النصري فعل العكس. غاب مرات، ومع ذلك كان يعود كما كان، وأحياناً أكبر ممّا كان. لم تزد المسافة بينه وبين جمهوره في الغياب؛ بل ازداد الحنين، وبقيت الأغنيات حيّة، وتحول الانتظار نفسه إلى جزء من العلاقة.
وهذا ما يلفت في تجربة النصري. فاسمه لا يحتاج في كل مرّة إلى حملة تذكّر الناس به، ولا إلى خطّة إعلامية تعيد تقديمه للجمهور. يكفي أن يظهر حتى يظهر معه جمهوره. ثَمّة صوت صار جزءاً من الذاكرة الشخصية لمحبيه، ولذلك لا تبدو عودته بداية جديدة، بل استئنافاً لعلاقة ظلّت قائمة في وجدانهم.
ومن هنا تحديداً تكتسب “سيدا.. سيدا” معناها الأبعد..
أن تجتمع هذه الجموع حول فنان ينطلق من خصوصية الطمبور، في بلد أنهكته الحرب وتبعثر أهله بين المدن والمنافي، ثم ينفجر هذا الفرح مع النغمة الأولى، فذلك ليس نجاحاً شخصياً لتجربة النصري وحده؛ إنّه، في جانب منه، دليل عافية للذائقة السودانية.
فالذائقة لم تمت. والأذن السودانية، مهما تراكم حولها من صخب وغثاء، لا تزال تعرف ما يلامسها؛ تستجيب للكلمة حين تمسّها، وللحن حين يسكن وجدانها، وللصوت الذي يتسرّب إلى شغاف الروح، لا إلى مجرّد حضور عابر أمام الناس.
لهذا فإن شعبية النصري تتجاوز قصّة فنان نجح؛ إنها تقول إن الجمهور لا يزال قادراً على صناعة نجومه الحقيقيين، وإن النجومية لا تصنعها كثرة الظهور، ولا المنصّات، ولا الإعجاب المصنوع؛ الجمهور هو الذي يصنعها، ويمنحها شرعيتها وقدرتها على البقاء مع الزمن.
وما وصل إليه النصري من محبّة ليس أمراً سهلاً.
كثيرون يبحثون عن الفرص، وينفقون المال، ويطرقون الأبواب، وربما ينسجون المؤامرات، أملاً في بلوغ جزء يسير من هذه المكانة. أمّا النصري، فتراكمت محبته بهدوء: أغنية بعد أخرى، وشاعراً بعد شاعر، ومسرحاً بعد مسرح، حتى صار حضوره قادراً على جمع الناس من مشارب وأماكن مختلفة حول صوته.
ولكن هذه المحبّة الكبيرة ليست امتيازاً للنصري ليقرّر متى يحضر ومتى يترك الغناء؛ إنّها مسؤولية أيضاً. وهنا، ربّما يحقّ لجمهوره أن يرفع الصوت قليلاً، لا عليه، وإنّما من أجله.
نريد للنصري أن يظلّ كما عرفه الناس: بسيطاً، عفوياً، قريباً، ومخلصاً لسجيّته الفنّية. لا نريد للنجومية أن تأخذ منه الروح التي صنعت نجوميته أصلاً. لكن البساطة شيء، وعدم إدراك حجم النجومية شيء آخر؛ والعفوية محبّبة، غير أن القرارات التي تمسّ علاقته بجمهوره تحتاج إلى قدر من التروّي لا يفسد عفويته، بل يحميها.
حين يبلغ الفنان هذه المساحة من المحبّة، لا يعود وحده في الصورة. خلفه جمهور منحه شيئاً من ذاكرته ووجدانه، ومن حقّ هذا الجمهور أن يرى في نجمه، في مواقفه وسلوكه، قدراً من المسؤولية يوازي حجم ما منحه له.
فالنجومية ليست قيداً، لكنّها التزام.
فنياً، لا يحتاج النصري إلى كثير وصايا. قريحته وتجربته تشهدان له. لكن ما يحتاج إلى عناية أكبر هو إدارة هذه النجومية: التخطيط، وحسن التقدير، ووضع الجمهور في صميم الحسابات، وتجنّب القرارات المتعجّلة التي قد تهدر في لحظة ما بُني خلال سنوات طويلة.
لقد كشفت ليلة واحدة وهتاف واحد عن حجم هذه العلاقة. “سيدا.. سيدا” لم تكن مجرّد هتاف؛ كانت إعلاناً عن ذائقة، واستفتاءً على فنان، ورسالة إلى الوسط الفنّي مفادها أن الجمهور لا يزال يعرف من يستحق أن يُسمع.
في هذا الزمن الذي اختلطت فيه قيمة الفن ببريق الشهرة، وأصبح الوصول إلى النجومية في أحيان كثيرة أسرع من نضج التجربة وعمق الموهبة، فإن حضور النصري بهذا الزخم لا يمكن قراءته بوصفه نجاحاً لفنان فحسب. إنّه يذكّر الساحة بأن الموهبة، حين تسندها تجربة حقيقية ومحبّة صادقة، تستطيع أن تحجز مكانتها، وأن تبقى حيث يعجز كثير من اللمعان المصنوع عن البقاء.
بين طوفان الغثّ والاستسهال الغنائي، وتكاثر القونات “رجالاً ونساءً”، يظلّ حضور فنان بهذا الرصيد استعادة لشيء من هيبة الفن، والأهم استعادة لثقة الجمهور بذائقته.
فما يبقى في النهاية ليس من يملأ اللحظة ضجيجاً، وإنّما من يترك في الناس شيئاً يعودون إليه كلما ضاقت بهم الأيام.
وربّما كان هذا هو المعنى الحقيقي لهتاف “سيدا.. سيدا”: أن يغيب الفنان ويبقى صوته سيداً على الأصوات، وأن يعود فيجد الناس في انتظاره، وقد حفظوا له مكانه.