إلى أرض المك نمر في الحبشة: رحلة صمويل بيكر إلى (ماى قُبّة) ولقاؤه بـ( المك نمر الإبن)

عبد الجليل سليمان

الحلقة الثانية

في اليوم التالي لوصول بيكر وفريقه المنطقة التي كان يقيم بها النِمراب ، بدأ في استقبال زواره من عِليِّة القوم وكبار الزُعماء. أنفق يوماً كاملاً في ذلك، واختتمه بإرسال هدية إلى المك نمر الإبن (عمارة إبن الملك نمر)؛ الذي أصبح زعيم النمراب في الحبشة، وكانت الهدّية عبارة عن رأس رمح فارسي جميل مصنوع من الفولاذ المصقول المُطّعم بالذهب. وبعد ذلك وصلته دعوة من نمر الإبن للقاءه.

المنشد الحبشي الذي ظنه بيكر (المك نمر الإبن).

قبل لقاءه زعيم النمراب، ظهر أمامه رجل ، يرتدي ملابس بيضاء نظيفة ويحمل مظلة كبيرة و يمتطي بغلاً أبيض على جانبي سرجه مسدسان وسيف.

ظّن بيكر للوهلة الأولى أنّه نمر الإبن، لكنه اكتشف أنه منشد(مُغنٍ) حبشي، أُرسِل لاستقباله والاحتفاء به.

جلس الرجل وغنى قصيدة طويلة في مدح بيكر، صوّره فيها وكأنه بطلاً أسطوريًا شبيهًا بريتشارد قلب الأسد، حتى إنه جعله صيّاداً محترفاً للأفيال والأسود، ومُنقذًا لزوجته من الخاطفين. وكان بيكر يعرف أن هذه الرواية من صُنع المنشد ولا علاقة له بها، لكنه أدرك أيضًا أن وراء هذا المدح الخيالي انتظارًا لهدية.

ثم ظهر منشدٌ آخر، وكانت آلته الموسيقية سببًا في حادث طريف. حاول الرجل عبور مجرى مائي، فرفض بغله العبور. ضربه الخادم، فركله البغل وأسقطه، وفي اللحظة نفسها اندفع المنشد إلى الماء وسقط فيه، بينما طفت آلته فوق السطح. خرج من الماء وهو مُلطخٌ بالطين، وحمل آلته، واكتمل المشهد الدرامي بقهقهات رجال بيكر.

هنا نمر، هنا ماى قُبّة

بعد اكتمال حفل الإنشاد ، صعد بيكر على صهوة فرسه، ورافقه طاهر نور وبخيت واتجهوا إلى المكان الذي ينتظر فيه (نمر).

وجدوا جماعة من الرجال تحت شجرة تمر هندي، ومعهم خيول وبغال وجمال. تقدم بيكر، وترجل، ثم قدمه طاهر نور إلى المك نمر الإبن.

يصفه بيكر نمر الإبن:

“ He was a man of about fifty, and exceedingly dirty in appearance. He sat upon an angarep, surrounded by his people; lying on either side upon his seat were two brace of pistols, and within a few yards stood his horse ready saddled. He was prepared for fight or flight, as were also his ruffianly-looking followers, who were composed of Abyssinians and Jaleens.”

“كان رجلًا في نحو الخمسين. كان مظهره شديد القذارة. وكان جالسًا على عنقريب على جانبيه مسدسان مزدوجان، وكان محاطاً برجاله، وعلى بضع ياردات منه كان فرسه واقفًا مُسرَّجًا ومجهزاً وكأن صاحبه كان مُستعدًا للقتال أو الفرار، وكذلك بدا أتباعه الأحباش والجعليين ذوو المظهر الشبيه بالرعاع “.

وسيط ودليل

تحدث بيكر إلى نمر الإبن عن مانسفيلد باركنز (( Mansfield Parkyns، الذي كان زار والده من قبل، وعن حسن الاستقبال الذي حُظيّ به. وقال له إن تلك السيرة الطيبة لوالده التي وثقها (باركنز) كانت إحدى أسباب رغبته في لقائه، ثم شرح له طبيعة رحلته واستكشافاته، وطلب مساعدته في الوصول إلى بحر أنقراب Bahr Angrab وبحر سلام وBahr Salaam .

كان المك نمر الإبن متحفظًا في البداية، لكنه ما لبث أن تحدث إلى بيكر بحرية. وشرح له أن المصريين يواصلون الضغط عليه، وأنه يُضطر إلى القتال دفاعًا عن نفسه. واقترح على بيكر أن ينقل إلى السلطات المصرية عرضًا بأن لا يعبر هو وجماعته نهر عطبرة إلى الجانب المصري (السوداني)، مقابل ألا تعبر القوات المصرية النهر إلى بلاده (ولقاييت في الحبشة)، فوعده بنقل الرسالة. في المقابل وعد نمر بتوفير دليل له إلى الأنهار التي يريد الوصول إليها، وأخبره عن الجبال والممرات المؤدية إليها.

ماء آسن ونُحاس

ثم تحدثا عن الماء في المنطقة. كان هناك مجرى مائي شديد السوء، وقد حذّر المك نمر الإبن (عمارة) بيكر من الشرب منه أو الاستحمام فيه. وكان أهل البلاد يعرفون آثاره الضّارة، لكنهم لا يعلموا سببها. أما بيكر فربط ذلك بما لاحظه من وجود النحاس في الصخور والمياه، فانحرف الحديث من الماء إلى المعادن مثل الذهب والنحاس والرصاص، وأخبر (نمر) بيكر بأن غبار الذهب يوجد في رمال الكثير من الخيران والأودية في هذه المنطقة ، لكنه يفضل الرصاص لأنه يستطيع استخدامه في صنع الذخيرة التي يحتاجها في قتاله ضد المصريين.

بعد اللقاء أرسل بيكر إلى نمر هدية كانت عبارة عن مسدسان جميلان بماسورتين، لكنهما انفجرا عند تجربتها، فعاد بيكر إلى نمر معتذراً عن الحادث، وعرض عليه سلاحًا آخر. لكن نمر رفض أن يأخذ سلاح بيكر الذي يحتاجه في رحلته. وكان، في رواية بيكر، يتصرف بأدبٍ ونبل لافتين.

وأخيرًا أصر بيكر على أن يقدم له بندقية Beattie. جرى اختبارها أمام رجاله، فأطلق بيكر النار على هدف بعيد فأصابه، ثم جربها رامٍ حبشي ماهر من رجال نمر، فأصاب الهدف، عندها قبل الزعيم الهدية.

وفي اليوم التالي أرسل نمر إلى بيكر هدية أخرى، “جملين محملين بالذرة، وقِربة من العسل تزن نحو خمسين رطلًا، وأربع بقرات”، وكانت الأبقار، كما لاحظ بيكر، نحيلة بسبب المياه غير الصحية التي تشربها ، طلب نمر من بيكر أن يختار أسمنها، فأحال الأمر إلى مرافقيه، ففعلوا، لكن البقرة التي اختاروها أفلتت و هربت ، فاواضطروا إلى مطاردتها وقبل أن يسيطروا عليها بعد جهد كبير. وبعد ذبحها نشب نزاع بين رجال بيكر وبعض الحبش الذين حاولوا سرقة اللحم.

ماي قبه في يوميات بيكر

وفي 25 مارس 1862 سجل بيكر في يومياته أن ماتي قُبّة Mai Gubba تقع على بعد نحو اثني عشر ميلًا إلى الشرق والشمال الشرقي من معسكره، وأن معقل المك نمر الأبن يقوم منها على جبل هضبي يقع جنوبها، يبلغ ارتفاعه نحو 5 ألف قدم، ومنه، بحسب ما قيل له، يمكن رؤية جبل كسلا.

حل يوم 27 مارس 1862، وهو تاريخ الرحيل، فكتب بيكر في يومياته:

بعد أن ودعنا نمر الذي خصص لنا أحد رجاله دليلاً ، شرعنا في المسير نحو بحر سلام ، وقد وصف بيكر الدليل بأنه وغدٌ بشع الهيئة ( an awful-looking scoundrel).

وبعد أقل من ميلين انهار أحد جمال الحمولة ، فسقط ونفق، لكن العرب ذبحوه بالسيف، وانتزع ” بخيت ” أحد مرافقي بيكر”، إحدى أذني الجمل بوصفها دليلًا على موته، ثم عاد مسرعًا إلى نمر ليستعير منه جملًا آخر. فاستجاب دون تأخير وأرسل جملًا جديدًا.

اضطرت المجموعة إلى المبيت في المكان نفسه تلك الليلة، لأن العرب أرادوا الاستفادة من لحم الجمل النافق. قطعوا اللحم شرائح رقيقة، وكانوا يأكلونه نيئًا أثناء عملية السلخ.

 وفي اليوم التالي واصلوا رحلتهم نحو بحر سلام، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من استكشافاته.

Exit mobile version