بيان أديس أبابا.. حين يلتقي الوطنيون على أولوية وقف الحرب

إبراهيم هباني

ما جرى في أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس 2026 يستحق التوقف عنده والتحية.

 ليس لأنه اجتماع سوداني جديد يضاف إلى عشرات الاجتماعات التي شهدتها عواصم الإقليم، وإنما لأن قوى مدنية وسياسية مناهضة للحرب وغير مصطفة مع طرفيها استطاعت، رغم اختلافاتها، أن تلتقي حول وثيقة حملت عنوانا بالغ الدلالة: “عملية السلام التي نريد”.

اجتمع في أديس أبابا وطنيون من مدارس سياسية وفكرية مختلفة، بينهم من دفعوا أثمانا غالية في مقاومة الحركة الإسلامية ومشروعها منذ انقلابها المشؤوم في 30 يونيو 1989؛ اعتقالا وتشريدا وفصلا من العمل ومصادرة للحريات وملاحقة في المنافي، وصولا إلى ثورة ديسمبر وما دفعه جيل جديد من السودانيين ثمنا لحلمه بدولة مدنية ديمقراطية. وهذا التاريخ مهم، لكن الأهم ألا يصبح أسيرا له.

فالسودان اليوم أمام كارثة أكبر من قدرة أي تيار منفرد على حلها. والحرب التي بدأت في 15 أبريل 2023 مزقت المجتمع، وشردت الملايين، ودمرت مؤسسات الدولة، ووسعت دائرة السلاح، حتى أصبح إنقاذ الوطن نفسه هو القضية التي ينبغي أن تتقدم على الحسابات السياسية القديمة والجديدة.

ولهذا كانت أهم قيمة في بيان أديس هي إعادة الأولويات إلى ترتيبها الطبيعي:

وقف الحرب أولا. ليس المطلوب الآن أن يحسم السودانيون كل خلافاتهم حول من حكم ومن أخطأ ومن يتحمل مسؤولية عقود من الفشل قبل أن تصمت المدافع. هناك ملفات للعدالة والمحاسبة لا ينبغي دفنها، وذاكرة وطنية لا يجوز محوها، لكن إنقاذ الإنسان والدولة لا يحتمل الانتظار.

وقف القتال، حماية المدنيين، فتح الممرات الإنسانية، إعادة الخدمات وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين؛ تلك هي المهمة العاجلة. وبعدها تبدأ المهمة التاريخية الأصعب: إعادة تأسيس الدولة السودانية نفسها.

وهنا ينبغي أن يكون ما حدث في أديس بداية لا نهاية، وبابا لا سقفا.

فالسلام الدائم لا يمكن أن يكون اتفاقا بين حملة السلاح، كما لا ينبغي أن يصبح اتفاقا بين القوى المدنية المتفقة مع بعضها.

 السودان يحتاج بعد وقف الحرب إلى عقد اجتماعي وسياسي جديد وواسع، تشارك في صياغته كل القوى الوطنية المؤمنة بالدولة ووحدتها وبالمواطنة المتساوية وبحق السودانيين في اختيار من يحكمهم.

ويجب أن تتسع المائدة للشباب والنساء ولجان المقاومة والنقابات والمهنيين والإدارات الأهلية والمجتمعات المحلية والنازحين واللاجئين والأكاديميين والمثقفين والمزارعين والرعاة والقطاع الخاص، وممثلي الأقاليم التي دفعت الثمن الأكبر للحروب والتهميش.

ويجب كذلك ألا يغيب عنها ضباط القوات المسلحة وجنودها وضباط صفها، ومنسوبي الشرطة والمؤسسات الأمنية، والدبلوماسيون وموظفو الخدمة المدنية. ليس بوصف المؤسسات النظامية صاحبة حق في الحكم، وإنما لأن هؤلاء سودانيون، ولأنهم يعرفون مؤسسات الدولة من داخلها، ولا يمكن إصلاح الجيش والأمن والخارجية والخدمة المدنية بقرارات يصنعها السياسيون وحدهم.

إن مشاركة العسكري في صياغة الإصلاح المهني للمؤسسة العسكرية لا تعني منحه حق الحكم. بل العكس:

 قد تكون جزءا من الطريق نحو الاتفاق على جيش وطني مهني واحد، يخضع للدستور والسلطة المدنية، ويحمي الدولة بدلا من أن ينازعها.

كلما اتسعت الرؤية، اتسع الوطن.

وكلما اتسعت المشاركة، ضاقت فرص الإقصاء والحرب.

وهذه ربما أهم خلاصة ينبغي أن يحملها السودانيون معهم من أديس أبابا.

فأزمتنا لم تبدأ في 15 أبريل 2023. جذورها تمتد عميقا في تاريخ دولة أخفقت منذ الاستقلال في بناء عقد وطني مستقر، ثم جاءت تجربة انقلاب 1989 لتعمق أزمة الدولة عبر التمكين الحزبي والأيديولوجي، وتسييس المؤسسات، وإضعاف الخدمة المدنية، وإدخال البلاد في حروب وانقسامات دفعت أثمانها أجيال متعاقبة.

والحرب الحالية ليست منفصلة عن ذلك التاريخ، لكنها أيضا خلقت واقعا جديدا لا يجوز اختزاله في معارك الماضي.

لذلك لا نحتاج إلى إعادة إنتاج الاصطفافات القديمة تحت أسماء جديدة. نحتاج إلى التعلم منها. فلا يستبدل السودان إقصاء بإقصاء، ولا تمكينا بتمكين، ولا دولة حزب بدولة تحالف.

وما يحتاجه بيان أديس في مرحلته التالية هو الانتقال من الموقف السياسي المحترم إلى مشروع وطني قابل للتنفيذ:

آلية لوقف الحرب ومراقبة وقف إطلاق النار، حماية المدنيين، معالجة تعدد الجيوش والسلاح، تصور واقعي لبناء جيش وطني واحد، مسار للعدالة والمحاسبة، ثم مؤتمر تأسيسي واسع يناقش أسئلة الحكم والدستور والمواطنة وتقاسم السلطة والثروة وعلاقة المركز بالأقاليم.

لا أحد يملك السودان وحده، ولا أحد يستطيع إنقاذه وحده.

لهذا فإن التحية للوطنيين الذين اجتمعوا في أديس أبابا لا تعني أن ما كتبوه مكتمل، بل لأنهم وضعوا لبنة يمكن البناء عليها. والمسؤولية الآن أن تتسع الدائرة لمن لم يكن في القاعة، وأن تتحول “عملية السلام التي نريد” من وثيقة لقوى سياسية ومدنية إلى مشروع وطني يلتقي حوله أكبر عدد ممكن من السودانيين.

لقد جربنا طويلا وطن الغلبة والإقصاء والتمكين والبندقية، وكانت النتيجة أمامنا.

حان الوقت لتجربة وطن آخر:

نوقف الحرب أولا، ثم نجلس جميعا لبناء دولة لا يملكها حزب ولا جيش ولا حركة ولا تنظيم، وإنما يملكها السودانيون.

Exit mobile version