” نقطة زرقاء فوق الأفق”: كسلا مدينة الضباع والغبار والجبل والأسوار المفقودة
كان وصول صمويل وايت بيكر شرق السودان، يوليو 1861 جزءاً من رحلته التي أراد بها تتبّع روافد النيل النابعة من الحبشة.
وبعد أن غادر الصحراء النوبية واتجه جنوباً شرقيّاً، وجد نفسه أمام عالم مختلف تماماً، سهول خصبة، مراعٍ موسمية، قبائل بدوية، ومراكز تجارية وعسكرية مرتبطة بالإدارة المصرية.
وكانت كسلا، عند تخوم بلاد التاكا والحبشة، أول مركز كبير يواجهه في ذلك العالم. ثم جاءت القضارف، بعد ذلك، بوصفها سوقاً تجارية مختلفة في طبيعتها، مرتبطة بالطريق بين كسلا والخرطوم.
نقطة زرقاء فوق الأفق
يصف بيكر وصوله إلى كسلا بعد عبور نهر القاش، وكان قد رأى جبل كسلا من مسافة خمسين أو ستين ميلاً؛ بدأ، كما يقول، «كنقطة زرقاء فوق الأفق»، ثم أخذ يتضخم حتى ظهر له «كتلة من الغرانيت ملساء عارية، ترتفع نحو 3500 قدم فوق مستوى البلاد، والمدينة عند قاعدتها، والقاش الهادر عند أقدامنا».
وعندما بلغ المدينة كانت الساعة بين الخامسة والسادسة مساءً. وكان القاش في ذلك الوقت عريضاً جداً، حتى إنه وصفه بأنه يبلغ نحو خمسمائة ياردة. وبعد عبور النهر بصعوبة، دخل المدينة بعد غروب الشمس.
يصف بيكر كسلا بأنها؛ “مدينة مسوَّرة، يحيط بها خندق وأبراج جانبية، ويبلغ عدد سكانها نحو ثمانية آلاف نسمة، عدا الجنود. وكانت البيوت والأسوار مبنية من الطوب غير المحروق، ومطلية بالطين وروث البقر”.
ويضيف: إنها شديدة الغبار. ولم يجد داخل الأسوار مكاناً مناسباً لنصب خيامه، فعاد إلى خارجها، وأمر بنصبها في موضع ملائم بين أشجار التين البري.
ولم يكد المخيم يُقام حتى عاد مترجمه محمد مصحوباً بضابط وعشرة جنود لحراسته، يحملون رسالة من الحاكم، الذي كان قد استلم فرمان بيكر، فقبّله ورفعه إلى جبهته، وأعلن له أنه تحت خدمته وأمره، وأن كل ما يحتاج إليه سيُلبّى فوراً.
وفي تلك اللحظة برزت أولى الشخصيات المهمة التي يذكرها بيكر في كسلا: طبيب الجيش اليوناني سيغنور جورجيس، الذي جاء مع عدد من اليونانيين، وأبدى استعداداً لتوفير كل احتياجات الرحالة. وكانت زوجة بيكر في حالة شديدة من الضعف والإعياء، ولذلك اكتفيا في الليلة الأولى براحة هادئة داخل خيمتهما.
لكن كسلا عند بيكر لم تكن مدينة هادئة؛ فقد لفت انتباهه إنها تعِجُّ بالضباع، قال: “أمضينا الليل على عواء هذه الحيوانات، إنها مقززة ولكنها نافعة؛ فهي تساهم في تنظيف المدينة إذ تلتهم جيف الحيوانات النافقة، وتزيلها من على الأرض”,
ويربط بيكر بين وجود الضباع والنسق الصحي للمدينة والقرى المحيطة بها، فيسجل أن الناس كانوا يتركون الحيوانات النافقة بلا دفن، وأنه – بحسب رأيه – لولا وجود الضباع والطيور الكاسرة، لهلكت البلدة بالأوبئة.
وفي الصباح التالي، بعد أن انخفضت حمى زوجته بفضل الكينين، استقبل بيكر سلسلة من الزوار. ويسميهم على التوالي: الحاكم وحاشيته، وإلياس بك، والطبيب وصديقاً له، ثم مالِم جورجيس، وهو تاجر يوناني مسن.
وكان مالِم جورجيس أبرز شخصية مدنية يذكرها بيكر في كسلا. فقد أصر على أن يغادر الزوجان خيمتهما الحارة وأن يقبلا ضيافته. ويقول بيكر:
“أصبحنا، الآن، ضيفيه في بيت مريح للغاية ولبضعة أيام”.
وكان الحاج أحمد، التركي الذي رافق بيكر، من الأشخاص الذين ارتبطوا بإقامته في كسلا؛ إذ عاد بعد ذلك في طريقه إلى بربر، بينما فرّغ بيكر جماله وبدأ إعادة ترتيب رحلته.
مركز تجاري وعسكري
حين ينتقل بيكر إلى وصف كسلا في الفصل التالي، تصبح المدينة في روايته مركزاً اقتصادياً وعسكرياً مهماً. فهو يحدد موقعها بأنها عاصمة بلاد التاكا، وأنها تقع على تخوم الحبشة، وأنها مركز رئيس للقوات المصرية والمخازن العسكرية.
ويقول إن الطريق المباشر إليها من سواكن كان يستغرق ستة عشر يوماً على ظهور الجمال، وإنه لو كانت انتظمت الملاحة بين السويس وسواكن، كان سيجعل منها، في تقديره، على مسافة اثنين وعشرين يوماً من القاهرة.
أما السوق، فكان في رأيه متواضعاً، يقول: ” كان البازار في كسلا فقيراً، إذ كانت السلع الرئيسة من الأصناف الرخيصة، الملائمة لحاجات البدو الذين يتدفقون إلى البلدة، التي كانت بالنسبة إليهم “لندن صغيرة”، لشراء الأقمشة وعطور النساء وقدور النحاس وما إلى ذلك”.
وهذه عبارة شديدة الأهمية؛ لأنها لا تصف السوق بوصفها سوقاً إقليمية فحسب، وإنما تكشف وظيفة كسلا التجارية في نظر بيكر: مركز شراء للعرب (البدو) القادمين من المنطقة المحيطة.
وكانت صادرات السودان التي يذكرها بيكر إنّها محدودة جداً في ذلك الوقت، وتشمل الصمغ العربي، والعاج، والجلود، والسنا، وشمع النحل، وكانت هذه المواد تُجمع بواسطة التجار المحليين المتنقلين ثم تُباع إلى التجار الكبار المقيمين في كسلا والخرطوم.
أما الجانب العسكري، فيراه بيكر أوضح من الجانب التجاري. فهو يصف تحصينات كسلا بأنها، رغم عدم قدرتها على مقاومة المدافع، كانت تبدو للعرب (البدو) منيعة. وكانت الجدران من الطين الصلب والطوب المجفف بالشمس، وفيها فتحات لإطلاق النار، ويحيط بها خندق عميق. ويؤكد أن كسلا لم تكن مدينة قديمة في صورتها التي رآها، بل يقول صراحة: “بُنيت كسلا قبل نحو عشرين عاماً من زيارتي للبلاد، (وهذا يعادل عام 1841)، بعد أن غُزت القوات المصرية التاكا وضمتّها إلى مصر”.
ضرائب قاسية
ويصف وضع المنطقة بعد الانضمام إلى مصر بأنه مزيج من السيطرة العسكرية والضرائب القاسية. ويروي أن القبائل العربية (البدوية) كانت إبان زيارته تُدار بواسطة شيوخها، وأن الشيخ موسى، شيخ الهدندوة، كان في السجن أثناء إقامته بسبب خلاف مع الحكومة المصرية. كما يذكر أن أحمد أبو سن، الذي يسميه “ذلك الشيخ العربي الأبوي العجوز”، أصبح لاحقاً صاحب السلطة على مختلف القبائل.
ويقدم بيكر كذلك وصفاً للريف المحيط بكسلا: فالنهر القاش/ مرب يمر تحت أسوار المدينة، ثم يتشعب في مجارٍ كثيرة ويختفي في التربة المسامية. وفي موسم الأمطار يغمر مساحات واسعة، فتغدو الأرض شديدة الخصوبة. وكان القاش، في الموسم الجفاف، يجف تماماً، بينما يمكن الحصول على ماء صالح للشرب من الآبار المحفورة في رمال مجراه.
ويقول عن المنطقة المحيطة بالمدينة: “إن المنطقة المحيطة بكسلا ملائمة جداً لوجود مدينة كبيرة ومحطة عسكرية، إذ توفر التربة الخصبة المؤن اللازمة، بينما يؤمّن نهر القاش ماءً جيداً”.
لكنه ينتقد بشدة الإدارة الصحية المصرية؛ إذ يرى أن الجنوب والجنوب الشرقي من كسلا منطقة جبلية برية تصلح لإقامة محطات صحية للجنود خلال الموسم الموبوء، لكن السلطات لا تهتم بهذه الاحتياطات، وتترك الجنود يواجهون مصيرهم في مناخات غير صحية.
الحاكم وإلياس بك وجورجيوس
أبرز من يسميهم بيكر في سياق إقامته في كسلا هم: الحاكم/ المدير: لم يذكر بيكر اسمه في هذا الموضع، لكنه يصفه بوصفه صاحب السلطة التنفيذية الذي استقبل فرمانه، وأرسل إليه الحرس، ثم ساعده لاحقاً في الحصول على الجمال.
إلياس بك: يذكره ضمن وفد الزائرين الذين قابلهم في الصباح التالي لوصوله.
سيغنور جورجيس: طبيب الجيش اليوناني، وكان أول من عرض المساعدة على بيكر وزوجته.
مالِم جورجيس: تاجر يوناني مسن، استضاف بيكر وزوجته في منزله المريح لعدة أيام، وهو نفسه الذي أقام لاحقاً عبّارة على نهر أتبرا، وأنشأ مزرعة للقطن في القُريشة (غوراشي).
الحاج أحمد: التركي الذي كان ضمن رفقة بيكر، ثم عاد إلى بربر.
محمد: المترجم، الذي كان له حضور أساسي في الرحلة، وكان بيكر يعتمد عليه في الاتصال بالعرب.
بخيت وود جُمعة: شابان عربيان (بدويان) وظفهما بيكر لاحقاً من كسلا، وكان عمر الأول ثمانية عشر عاماً والثاني عشرين عاماً. يصف بيكر «ود جمعة» بأنه هادئ ثابت حسن السلوك، بينما يصف بخيت بأنه فتى عربي ناري جامح، يصعب ترويضه، لكنه ممتاز بطريقته الخاصة.
كما عيّن له حاكم كسلا العريف النوباوي الملقب «بقرة الوحش»، وهو جندي أسود من أحد أفواج النوبة، اشتهر بصيد البقر حتى لُقّب بالبقّار بسبب قتله عدداً من ظباء الأوريكس.
مغادرة كسلا
بعد إتمام ترتيبات الرحيل في 14 يوليو 1861، واجه بيكر مشكلة في تأمين الجمال. ولما رفض العرب تأجير جمالهم، استخدم الحاكم فرمانه، فأرسل جنوداً واستولى على العدد المطلوب من الجمال، بل وعلى أصحابها معها.
ثم أضاف إلى رفقته بخيت وود جمعة، وعيّن له الحاكم العريف «البقّار» دليلاً وجندياً مرافقاً. وفي 15 يوليو قضى الفريق اليوم كله في نقل الأمتعة عبر القاش بمساعدة نحو مئة رجل وفرهم الحاكم، ثم خيّموا على ضفة النهر، وفي صباح اليوم التالي تحركوا غرباً نحو أتبرا (نهر عطبرة).
يصف بيكر بداية الطريق بأنه انتقال واضح من الصحراء إلى أرض أكثر حياة، أشجار أكبر، وسهول واسعة من العشب الغض، وشجيرات خضراء، وتربة طينية غنية. وبعد مسيرة طويلة وصلوا إلى وادي أتبرا.