مقالات

المجتمع الدولي من القول إلى الفعل!!

أشرف عبدالعزيز

تشهد المسارات الدولية المتعلقة بالأزمة السودانية تحولاً نوعياً يعكس الانتقال التدريجي من مربع الانشغال بالتصريحات والبيانات القاطعة إلى صياغة آليات عمل مجدية وخطوات ملموسة تهدف لكبح جماح الحرب.

ويقف المقترح الداعي إلى تعميم حظر الأسلحة وحظر الطائرات المسيرة وتقنياتها والمكونات المرتبطة بها على كافة الأراضي السودانية في صدارة هذه التحركات، باعتباره محاولة مباشرة لتجفيف الإمدادات العسكرية الخارجية التي أسهمت في إطالة أمد النزاع الممتد منذ أبريل 2023.

وتأتي هذه الخطوة استجابة للتقارير الأممية والدولية المتزايدة التي تشير إلى أن تزايد اعتماد طرفي النزاع على السلاح الوافد من الخروج عن نطاق السيطرة التقليدية، لا سيما مع كشف البيانات الموثقة عن أن استخدام المسيرات والقتال الجوي والمدفعي المكثف بات مسؤولاً عن الغالبية العظمى من وفيات المدنيين المسجلة في النصف الأول من هذا العام، فضلاً عن تدمير البنى التحتية الحيوية والمرافق الإنسانية.

وينقسم المشهد الدولي والإقليمي، بالتوازي مع الأوساط السياسية السودانية، حول هذه الخطوة المتقدمة إلى اتجاهين رئيسيين؛ الاتجاه الأول يرى أن فرض حظر شامل للأسلحة، وتوسيع نطاق المراقبة الأممية، وتوسيع التفويض الخاص بالمساءلة والمحاسبة، يمثل المدخل الإجباري والوحيد لحماية المدنيين وتهيئة الظروف الميدانية لهدنة إنسانية تلزم الجميع بوقف العمليات العسكرية فوراً.

ويستند هذا التوجّه إلى معطيات الواقع المشهود، حيث لم تعد الحرب محصورة في إقليم دارفور، بل امتدت لتلتهم معظم الولايات السودانية، مما يوجب اتخاذ تدابير حاسمة تمنع التدفقات العسكرية الخارجية وتطال كافة التقنيات المتقدمة المنتشرة بالبلاد.

وتجد هذه الرؤية تأييداً من عدة دول غربية وأوروبية، بالإضافة إلى قطاعات واسعة من القوى المدنية والحركات السياسية المحلية التي تعتبر حظر السلاح وتجفيف منابع التمويل خطوة تكاملية أساسية مع الضغوط والمبادرات الوطنية الرامية لتوقيع مواثيق السلام وإعادة التأسيس الديمقراطي.

في المقابل، يتبنى الاتجاه الثاني موقفاً متحفظاً أو رافضاً لهذه الآلية الشاملة؛ حيث تُطرح رؤية ترى أن المساواة بين الأطراف في قرار حظر التزود بالسلاح وتقييد خيارات الدفاع قد تمنح القوى المسلحة غير الرسمية غطاءً وفرصة لمواصلة القتال وتوسيع نطاق المواجهات، مما قد يعقد المشهد الميداني ويؤدي إلى إطالة أمد الحرب بدلاً من إنهائها.

وتدفع هذه التحفظات بعض القوى الدولية والإقليمية إلى عرقلة التوافق التام داخل أروقة الأمم المتحدة، مراهنة على أن فرض العقوبات الجوية أو آليات الحظر الشامل قد لا يسفر عن نتائج ملموسة ما لم تتوافر رؤية سياسية متكاملة تضمن عدم إحداث خلل ميداني يخدم أطرافاً على حساب أخرى.

وفضلاً عن التجاذبات السياسية المعقدة حول صياغة القرارات الدولية، يظل البعد الإنساني المتردي هو المحرك الأساسي والأكثر إلحاحاً لإيجاد تحرك أممي حاسم على الأرض؛ إذ تؤكد التقييمات الميدانية والتقارير الإغاثية أن استمرار تدفقات السلاح والمسيرات والمرتزقة يسهم مباشرة في إطالة أمد المواجهات وتوسيع رقعتها، مما أدخل البلاد في مأساة غير مسبوقة، جعلت ثلثي السكان بحاجة ماسة ومباشرة للغذاء والدواء والدعم الإنساني المنقذ للحياة.

إن انتقال المجتمع الدولي من مرحلة الإدانة والبيانات إلى مرحلة القرارات الملزمة يجب أن يتركز بالأساس على فرض آليات ضغط حقيقية وشاملة تُجبر الأطراف المتقاتلة على تغليب الخيار السلمي والاستجابة الفورية لنداءات وقف النار. ولا يمكن لهذا الضغط أن يحقق أهدافه لحماية الأرواح إلا عبر حزمة متكاملة تُضيق الخناق على أداة الحرب نفسها، من خلال التجفيف الصارم لخطوط إمداد السلاح، وفرض عقوبات جادة على الجهات المُموّلة والداعمة للاقتتال، وفتح الممرات الإنسانية بشكل آمن ومستدام، بما يضمن تحويل الرفض الدولي للاقتتال إلى واقع ملموس يلزم جميع القوى الميدانية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات وإنهاء المعاناة الإنسانية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع