الآن يا سودان .. من ذاق راق؟!

الجميل الفاضل

فما الذي يحدث حين تخرق لحظةٌ مباركةٌ جدارَ الزمن؟

كان النبي ﷺ آخذًا بيد ابن الخطاب، قبل أن يقول له عمر: «يا رسول الله، لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي».

وقبل أن يعاجله الرسول الكريم بردٍّ حاسم: «لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك».

ليجيب عمر في كسرٍ من الثانية: «فإنه الآن، والله، لأنت أحب إليّ من نفسي».

ليختم النبي هذه البرهة المباركة قائلاً: «الآن يا عمر، الآن يا عمر».

إنها ثوانٍ معدودات، عبر فيها بين الجملتين رجلٌ بقامة سيدنا عمر من حالٍ إلى حال، فما الذي حدث بالضبط؟ لا معلومة جديدة، لا برهان جديد، لا كتاب فُتح، ولا درس طال.

فقط، كانت هناك يدٌ على يد، ثم جاءت «الآن» تسعى، كأن عمر الذي كان يعرف معنى المحبة بكل تأكيد، قد ذاقها في تلك اللحظة بالفعل.

هي كانت هنيهة صغيرة فاح منها سرّ ما يسميه أهل الطريق: «الذوق».

عمومًا، فالذوق ليس انفعالًا لحظيًا يجيء ثم ينطفئ، ولا عاطفةً تعبر القلب ثم تمضي، إنه سلّم تتنزّل به معرفة الخواص من الرأس إلى القلب، ثم تسري منه إلى كل الجسد في لمحة كالبرق.

وللحقيقة، فإن تعرف العسل شيء، وأن تضعه على لسانك شيء آخر.

وبالتالي، يمكنك أن تقرأ عن العسل العمر كله، لكن لا أحد غيرك يستطيع أن يتذوقه لك، فالعلم يمكن أن يصف حلاوة طعم العسل، بينما الذوق هو حلاوته ذاتها.

ومن هنا يفرّق القوم، في لغتهم، بين شيخٍ يرشد، وشيخٍ يربي، وشيخٍ يُرقّي، فالأول يعطيك الخارطة، والثاني يأخذ بيدك على الطريق، أما الثالث، كما تحكي تجاربهم، فقد لا يفعل بك أكثر من أن يراك؛ نظرته تكفي، ومجرد حضوره يكفي.

ثم يحدث فيك شيء يشبه الزلزال، لا تستطيع أن تقول متى بدأ، يحدث ترقيةٌ بلا ضجيج، كأن روحًا عالية توقظ فيك روحًا نائمة.

الشيخ الشايقي اختصر هذا السر في أبياته عن شيخه المكاشفي قائلاً:

«قهوتك تجذب

ترمي غير فحمة

غير يجيبو النار

مويتك تحمي»

ما الذي تقوله هذه الكلمات، غير أن بعض الأشياء لا تنتظر أسبابها الظاهرة؟

فالقهوة لا تنضج بلا جمر، والماء لا يحمي بلا نار، لكن في عالم الإشارة ثمة نار أخرى:

هي نار الحضور، وثمة حرارة لا يُعرف من أين تأتي.

ومن هنا تصبح حكاية «جوليوس فاجوجون» التي سنرويها، أكثر من قصة خواجة أسلم، فصار اسمه عبدالقادر.

فقد جاء هذا المهندس النمساوي إلى السودان ليعمل في خزان جبل أولياء سنة 1933، جاء يعرف قصة الماء بالمسطرة، المناسيب، والعلب، والبوابات، ورأس الجسر ومنتهاه.

جاء ليحبس الماء خلف جدار، لكنه وجد في السودان ماءً لا يُحبس.

رأى الصلاة، والذكر، والصيام، والقيام.

ثم رأى الدي يمشي على قدمين: في أخلاق الناس، وفي بساطة عيشهم، وفي تلك الألفة الحميمة التي لم يجد لها تفسيرًا.

كانت تلك هي قطرة العسل الأولى، ثم جاءت الرؤيا المنامية، تشير إلى الشكينيبة، فمشى على إثرها، مطبقًا أول قاعدة من قواعد هذا الطريق: فالإشارة هنا لا تُشرح، إنما تُتبع.

هناك، بين يدي الشيخ عبدالباقي المكاشفي، لم تكن المسألة درسًا في العقيدة، كان ثمة شيء آخر يحدث: تقول الروايات إن الشيخ عبدالباقي خاطب جوليوس بعدة لغات يعرفها الأخير، لكن ربما كانت اللغة التي فتحت الباب، لغةً خاصة لا تحتاج إلى ترجمان، هي لغة الروح.

دخل بها جوليوس الخلوة، ثم خرج وهو عبدالقادر.

وبالطبع، ليس المهم هنا أن الاسم قد تبدّل، لكن المهم أن صاحبه أيضًا قد تبدّل، فبعض الأسماء لا تكون أسماءً فقط، قد تكون إعلانًا عن ولادة.

ثم مضى عبدالقادر مولود الشكينيبة الروحي الجديد إلى الحج، وإلى الأزهر، وإلى مصر، ومضت السنون.

بيد أن بعض الأمكنة لا تغادر من ذاقها، فقد عاد عبدالقادر بعد عقود، إلى التراب الأول، ليتوسد الباردة إلى جوار شيخه في نهاية المطاف.

كأن الرجل الذي جاء ليبني خزاناً للماء كان يبحث، من حيث لا يدري، عن موردٍ آخر، وعن ماء آخر هو ماء الغيب.

فالإنسان قد تدخل إليه الكلمة من أذنه، لكن المحبة قد تلج إليه من غير باب، من يده، ومن فمه، أو من المائدة، حتى يتغير طعم الأشياء الذي اعتاده، إذ حين يتغير هذا الطعم يتغير الإنسان نفسه.

هذا بالضبط هو الذي حدث لجوليوس الذي عبر من المعرفة إلى الحال، ومن النظر إلى الشهود، من أن يعرف، إلى أن يكون.

وهنا، ربما، تكمن أيضًا مأساة بلادنا السودان، فنحن لسنا فقراء في المعرفة، لدينا من الشعارات ما يكفي بلادًا أخرى، ومن النظريات ما يكفي لعمر آخر.

نعرف السياسة، ونعرف الدين بعمق أكثر من سوانا، ونعرف نظريًا على الأقل حقوق الإنسان وحقوق المواطنة، بل ونعرف أن الدم حرام، ونعرف أن الوطن يمكن أن يسع الجميع.

لكن: هل ذقنا كل هذا الذي نعرفه؟

للحقيقة، ربما لا تنقصنا حتى المحبة التي فقدنا اليوم مذاقها.

فالحرب لا تبدأ دائمًا من فوهة بندقية، قد تبدأ من نكتة سوداء صغيرة في القلب، أو من جفافٍ ضامر في اللسان يعرف من لحن القول، تبدأ الحرب حين يصبح للآخر مذاقًا مرًا في حلقك، وحين يصبح المختلف لقمةً لا تُحتمل، تقف لك في زورك ولا تغادره.

ولهذا فإن السؤال الذي تتركه لنا حكايات القوم: ماذا يحدث للإنسان حين تقع عليه نظرة فتوقظ فيه ما كان نائمًا؟

لذلك، ربما يحتاج السودان اليوم إلى مثل تلك اللحظة، لا إلى فقه حديث، ولا إلى شعار جديد، ولا إلى خطب طنانة رنانة، بل إلى: «الآن» ذاتها.

اللحظة التي يصبح فيها السلام أحب إلى الإنسان من انتصاره، والسودان أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه.

تلك هي اللحظة التي يتغير فيها مذاق الكراهية في الفم، لنؤاكل من لا يشبهنا، ولنمد أيدينا إلى بعضنا قبل أن نمد السؤال.

فأهل الذوق يقولون: من ذاق عرف.

المهم، لعل السودان لا يحتاج اليوم إلى أن يتعلم كيف يحب.

لكنه قد يحتاج فقط أن يتذوق هذا الحب الذي افتقده مرة أخرى، أن يسترد لسانه القديم، أن يعرف أن الوطن ليس فكرةً ننتصر بها على بعضنا، إنما هو مائدة تتسع لنا جميعًا.

ثم، إذا حدث ذلك، إذا امتدت يدٌ إلى يد، إذا عاد الغريب إلى المائدة، إذا صار المختلف أخًا، إذا استحال الدم في الذاكرة ماءً يغسل ولا يقتل، فربما نسمع، من مكان بعيد لا نعرفه:

«الآن يا سودان، الآن يا سودان»، وعندها، لا تسأل كيف؟، فبعض الأشياء لا تُشرح، إنما تُذاق، ومن ذاق راق، ومن راق استفاق.

Exit mobile version