من حبّة رمل صغيرة تبدأ تجربة سودانية تخوض واحدة من أحدث مساحات صناعة الصورة؛ إذ تشارك الإعلامية والكاتبة والمخرجة سامية الجلّابي بفيلمها القصير (محاكمة حبّة رمل) (The Trial of a Grain of Sand) في مسابقة هيدزفيلد العالمية لأفلام الذكاء الاصطناعي (Higgsfield AI Film Festival) وسط منافسة عالمية واسعة تضم أفلاماً من دول مختلفة، وجوائز تبلغ نحو مليون دولار، بينها 500 ألف دولار للجائزة الأولى.
وتأتي المشاركة في وقت تتيح فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي للسينما مساحات جديدة للخيال والإنتاج، وتفتح أمام صنّاع الأفلام المستقلين إمكانات لم تكن متاحة بالأدوات التقليدية.
وتروي سامية الجلّابي لـ(مشاوير) أنها عرفت بالمسابقة قبل أربعة أيام فقط من موعد المشاركة، فقرّرت خوض التجربة، لتجد نفسها أمام منافسة ضخمة ضمت عند مشاركتها أكثر من 1500 فيلم. وفي فترة قصيرة، أنجزت الفيلم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وانتقلت بالفكرة من النص إلى المشاهد والحركة والصوت والمونتاج.
في نحو ثلاث دقائق ونصف، تستدعى سامية الجلّابي حبّة رمل كدليل أمام محكمة ضخمة وباردة تسألها عن أصلها ومكانها وحقها في الانتماء، فتتكشف ذاكرتها عن فناء سوداني وامرأة اضطرت إلى الرحيل حاملة معها أشياء تختصر وطناً: مفتاحاً قديماً، وورقة نيم، ورسماً لطفل، وحبّة من تراب الوطن.
وبين برودة المحكمة الزرقاء ودفء الذاكرة السودانية الذهبية والترابية، يبني الفيلم تبايناً بصرياً يجعل اللون جزءاً من السرد؛ فالمحكمة تستحضر عالم الحدود والقوانين، فيما تستعيد الذاكرة البيت والأرض والأشياء التي لا تحتاج إلى جواز سفر كي تبقى في القلب.
ويختصر الفيلم هذه الفكرة بشعاره: (لا جدار يُبنى من تراب بريء).
نحو ثلاث دقائق ونصف كانت كافية لعبور المسافة بين المحكمة والذاكرة، وبين الأرض والإنسان، وبين الحدود التي يرسمها البشر والأوطان التي تسكن الوجدان.
وفي قلب هذه الرحلة تأتي حبّة الرمل، التي اختارتها سامية الجلّابي لأنها (أصغر من أن تُخيف أحداً، لكنها أقدم من كل الحدود)، لتتجاوز في الفيلم كونها تفصيلاً بصرياً، وتصبح مدخلاً إلى سؤال أوسع عن الانتماء وحق الإنسان في الأرض.
وتتحوّل الأشياء الصغيرة التي تحملها المرأة إلى شظايا لذاكرة أكبر؛ فالمفتاح وورقة النيم ورسم الطفل ليست مجرد تفاصيل، بل آثار لوطن يحمله الخارجون من أمكنتهم حين لا يستطيعون حمل المكان كله.
واللافت في الفيلم أن الذكاء الاصطناعي لم يكن خدعة بصرية عابرة أو مجرد وسيلة لإضافة المؤثرات، بل أداة الإنتاج الأساسية؛ فقد صُنع الفيلم بالكامل داخل استوديو منصة المسابقة، التي تشترط العمل حصرياً ضمن بيئتها دون أي أدوات خارجية، وهو شرط وصفته المخرجة بـ(القاسي جداً) نظراً لتكلفة الاشتراك المرتفعة والحاجة إلى شراء أرصدة إضافية للإنتاج.
ومن خلال هذه البيئة، حوّلت سامية الجلّابي نصوصاً شاعرية إلى لقطات سينمائية عالية الدقّة، دون كاميرا أو ممثّلين، وأنجزت العمل في أيام قليلة. ورغم اختصار زمن الإنتاج، لم يكن العمل مجرد عملية آلية، فقد احتاج إلى المحاولة والتجريب وإعادة إنتاج المشاهد واختيار الأنسب، وضبط الحركة والاستمرارية والإيقاع، وصولاً إلى الصورة النهائية.
وتقول سامية الجلّابي لـ(مشاوير): “لم أكن أتخيّل أن يمكن لحكاية بحجم الوطن أن تُروى بأدوات لم تكن موجودة أصلاً قبل سنوات قليلة. كل ما كان لدي هو الفكرة والحاجة إلى قولها، والذكاء الاصطناعي منحني الوسيلة لأترجم هذا الإحساس إلى صورة، دون أن أنتظر ميزانية أو فريق تصوير قد لا يكون متاحاً أصلاً في ظل الظروف التي نعيشها. هذه التجربة علّمتني أن الأداة مهما كانت حديثة، تبقى بلا روح إن لم تحمل خلفها حكاية صادقة، ولذلك اخترت أن تكون البداية من الإنسان لا من التقنية”.
ووسط مئات الأفلام المشاركة، تكاد تكون تجربة سامية الجلّابي الصوت السوداني الوحيد على المنصّة، فيما تشترط المسابقة تجاوز عتبة معينة من المشاهدات والتفاعل لبلوغ لجنة التحكيم النهائية. ومن هنا وجّهت المخرجة دعوة مفتوحة للجمهور السوداني لمشاهدة الفيلم والتعليق عليه، باعتبار أن التفاعل جزء من آلية المنافسة وفق المعلومات التي قدّمتها عن شروط المسابقة؛ فحين يصل عمل سوداني بجهد فردي إلى منصّة عالمية بهذا الحجم، يصبح دعمه مسؤولية جماعية لا تقل أهمية عن الفيلم نفسه، ويكشف في الوقت ذاته عن جيل جديد من المبدعين السودانيين ينهض بأدوات مختلفة للتصدي والمنافسة، ويبحث عن مكان لصوته في المشهد العالمي.
وإلى جانب (محاكمة حبّة رمل)، أعلنت سامية الجلّابي عن فيلم آخر بعنوان (سماء بلا تأشيرة) (Sky Without a Visa)، يتناول هجرة الطيور والتغير المناخي، في امتداد لاهتمامها بأسئلة الحدود والحركة وعلاقة الإنسان بالأرض والطبيعة. وفي الفيلم الأول تحضر الأرض والإنسان والحدود في حكاية حبّة رمل، بينما تعبر الطيور في الفيلم الثاني السماء من دون تأشيرة، ويظل التغير المناخي قضية تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
ولا تنفصل التجربة عن مسار سامية الجلّابي الإبداعي والمعرفي؛ فهي خريجة كلية الآداب بجامعة الخرطوم، ومؤسّسة عدد من المبادرات والمشروعات التي انشغلت بالمعرفة والتوثيق والإبداع. بدأت بمبادرة (بصمة) لتشجيع القراءة والكتابة، كوّنت من خلالها فرق عمل في خمس دول عربية عبر التواصل الافتراضي منذ ما قبل عصر (فيسبوك)، ثم أسّست (سودابيديا)، موسوعة السودان المعرفية، التي تعمل على جمع وتقديم المعلومات المتعلقة بتاريخ السودان وجغرافيته وثقافته ومجتمعه، وفازت بالمركز الأول في (Social Good Summit) برعاية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتصويت تجاوز 200 ألف صوت.
وفي 2015 أطلقت منصّتي (قصة امرأة سودانية) و(إنسان السودان)، المعنيتين بالتوثيق وإبراز التجارب السودانية، وتلتها دعوات للمشاركة في القمة العالمية للحكومات بدبي عام 2016، وتكريمها ضمن جائزة (إثراء) لأكثر الشخصيات تأثيراً في السودان عام 2014، إلى جانب عملها سفيرة سلام لصندوق الأمم المتحدة الإنمائي.
وامتد نشاط سامية الجلّابي إلى الفنون والتقنيات الحديثة، فأسّست مشروع (يوتيوبيا) لفنون الشارع والمسرح بتقنية الواقع الافتراضي بين برلين والخرطوم عام 2017، وأسّست لاحقاً (مجلة الحي)، وهي فكرة تقوم على مجلة حائط يكتبها ويرسمها شباب كل حي لتطوير مجتمعاتهم. كما تبنّت فكرة (الهجرة العكسية) إلى المدن، وبدأت بنفسها حين انتقلت من الخرطوم إلى سنار عام 2019، داعية الآخرين إلى العودة إلى مدنهم وتنميتها بدلاً من اكتظاظ العاصمة.
وبالتوازي مع هذه المشاريع، بدأت تجربتها الأدبية بإصدار كتابها الإلكتروني (عتمة وضوء) عام 2011، ثم اتسع اهتمامها إلى الإعلام الرقمي والبحث والتوثيق، قبل أن تنتقل إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأتمتة سير العمل، وتؤسس نشاطاً متخصصاً في خدمات الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى البصري باستخدام الأدوات التوليدية.
في هذا السياق، تبدو (محاكمة حبّة رمل) امتداداً لمسار ظل مشغولاً بالمعرفة والذاكرة وكيفية تقديم الحكاية السودانية بأدوات جديدة. فالفكرة التي بدأت من التوثيق والبحث والمعرفة انتقلت هذه المرة إلى السينما، مستفيدة من تقنية تتيح للمبدع المستقل إنتاج الصورة بعيداً عن كثير من القيود التقليدية.
وتبقى قيمة التجربة في أن الذكاء الاصطناعي فتح لصنّاع أفلام من بيئات محدودة الموارد نافذة للمنافسة عالمياً، من دون أن يلغي دور الفكرة أو الرؤية الإبداعية. فالتقنية هنا وسيلة لتحويل الحكاية إلى صورة، بينما يظل المعنى نابعاً من الإنسان الذي يقف خلفها.
ومن (بصمة) و(مجلّة الحي) إلى (سودابيديا) و(قصة امرأة سودانية)، ومن التوثيق إلى الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي، تكشف تجربة سامية الجلّابي عن مسار يقوم على التعلم المستمر وتوسيع أدوات التعبير. وفي (محاكمة حبّة رمل) تضاف محطة جديدة إلى هذا المسار، حيث تتحوّل حبّة صغيرة إلى مدخل لحكاية أكبر عن الأرض والإنسان والذاكرة، وتجد القصة السودانية طريقها إلى شاشة تُصنع هذه المرة بأدوات المستقبل.