تحفظات جوهرية

عمر الدقير

أكد السيد مني أركو مناوي أن الحوار المطروح حالياً يمهد لانقسام البلاد، إذ رأى أن طرحه في هذا التوقيت قد يُحفِّز الطرف الآخر على إطلاق حوار سياسي موازٍ في مناطقه، بما يقود إلى انقسام البلاد «بوضع اليد» — على حَدِّ تعبيره.

كما أشار إلى أن الحوارات السياسية تُبنى على تهيئة المناخ وبناء الثقة، بجانب أن يكون الحوار غير معزول إقليمياً ودولياً.

ونتفق مع مناوي حول خطورة الحوار المطروح حالياً على وحدة البلاد؛ ونرى أن أي حوار غير شامل، وغير مستقل عن سيطرة أي جهة، وغير مفتوح على أفق إيقاف الحرب، سيُبقي الباب مفتوحاً أمام نشوء مسارات سياسية موازية، ويُحوِّل غاية الحوار إلى مجرد تَكيُف مع واقع الانقسام السياسي والجغرافي الذي فرضته الحرب.

كما نتفق معه في أن الحوار يحتاج إلى تهيئة المناخ وبناء الثقة.

وفي تقديرنا أن أولوية هذه التهيئة هي الوصول إلى هدنة إنسانية تضمن حماية المدنيين وتفتح الطريق أمام وصول الإغاثة إلى المحتاجين.

فحماية أرواح السودانيين وإغاثتهم أهم من المصائر الشخصية للسياسيين، وتتقدم على إجراءات من قبيل شطب البلاغات وما يسمى بـ«الحصانة المؤقتة».

ومع التأكيد على أن أساس حل الأزمة هو الإرادة الوطنية، وأن أي مبادرة خارجية لا يمكن أن تكون بديلاً عن مسؤولية السودانيين في معالجة أزمة بلادهم المزمنة؛ تظل هناك حاجة موضوعية إلى دور إقليمي ودولي إيجابي لتيسير الوصول إلى توافق وطني، شريطة ألا يتحول التيسير إلى وصاية تُهندِس الحوار وتتدخل في تحديد أطرافه وتؤثر في مخرجاته.

إن تصريحات السيد مناوي — مقرونةً بإفادات المتحدثة باسم الكتلة الديمقراطية عبر قناة «الحدث»، التي دعت إلى حوار سوداني شامل بعيداً عن الانقسامات وبمشاركة دولية لتيسير الحوار — لا تحسم بوضوح موقف الكتلة من صيغة الحوار المطروحة حالياً، لكنها تكشف عن تحفظات جوهرية عليها، وهو ما يتقاطع مع ما ذهبت إليه غالب القوى السياسية من أن الخلاف ليس حول مبدأ الحوار، وإنما حول تصميمه وغاياته.

ومعلوم أننا — ضمن قوى سياسية عديدة — رفضنا صيغة الحوار الحالية باعتبارها أقرب إلى التعايش مع واقع الانقسام الذي أفرزته الحرب، ولكونها غير مرتبطة بإيقاف الحرب والاستجابة الإنسانية، فضلاً عن ضرورة استقلالية الحوار عن هيمنة أي جهة، إلى جانب التشاور المسبق بين القوى المدنية للاتفاق على لجنة تحضيرية تُعنى بتحديد أجندته، وأطرافه، ومكان انعقاده، ودور الميسرين الخارجيين؛ بما يجعله منبراً شاملاً ومؤهلاً لمخاطبة جذور الأزمة المتراكمة والتوافق على سبل معالجتها.

Exit mobile version