الدقيق يطارد الجنيه .. الخبز يضع السودان على حافة الغلاء وذاكرة الاحتجاجات

الدوحة - مشاوير : تقرير /مجدي علي

 48 ساعة كانت كافية ليقفز سعر جوال الدقيق في السودان، زنة 25 كيلوغراماً، من نحو 77 ألف جنيه إلى 108 آلاف، بزيادة تقترب من 40 بالمئة. وفي سوق يلاحق فيه الجنيه خسارته أمام كلفة الغذاء، تضع هذه القفزة الرغيف أمام موجة غلاء جديدة.

نائب رئيس اتحاد المخابز، عصام الدين عكاشة، أكّد أن ارتفاع سعر الدقيق جاء متزامناً مع زيادة تكاليف التشغيل، بينما تتراكم على المخابز زيادات أخرى في أسعار الخميرة والعمالة والطاقة والنقل، مما دفع بعض المخابز إلى التوقّف، فيما يدرس أصحاب مخابز أخرى خفض وزن الرغيف أو بيع رغيفين بألف جنيه بدلاً من ثلاثة. وأعلنت مطاحن سيقا، في الوقت نفسه، زيادة جديدة في أسعار الدقيق اعتباراً من الثاني من سبتمبر، بواقع 10 آلاف جنيه للجوال زنة 25 كيلوغراماً.

وعلى الرغم من أن الأسعار لا تتحرّك بالمستوى نفسه في كل الأسواق، فإنها تشهد ارتفاعاً لافتاً في معظمها؛ ففي النيل الأبيض ارتفع سعر الجوال من 85 ألفاً إلى 103 آلاف جنيه، وفي الجزيرة من 72 ألفاً إلى 95 ألفاً، بينما وصل دقيق سيقا في الخرطوم إلى 108 آلاف، مع تجاوز أصناف أخرى حاجز 100 ألف جنيه. ويعكس هذا التفاوت أيضاً سوقاً مجزأة تتأثّر بوضع الولاية وتوفّر السلعة وتكاليف النقل والوقود ومصدر الدقيق والمسافة بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.

المؤكّد أن أزمة الدقيق في السودان لم تبدأ مع الحرب، لكنها تفاقمت بعدها. فالسودان ظل يعتمد بدرجة كبيرة على القمح المستورد منذ تاريخ بعيد، مما يجعل أسعار الدقيق شديدة الحساسية لسعر الصرف وكلفة الاستيراد والنقل والطاقة. وقد قدّرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) احتياجات السودان من واردات الحبوب لعام 2025 بنحو 2.7 مليون طن، يشكّل القمح نحو 90 بالمئة منها. ومع الحرب تفاقمت المشكلة بعد أن تضرّرت سلاسل الإمداد واضطربت حركة التجارة، وارتفعت كلفة الوقود والتخزين والتوزيع.

ويكشف مسار الأسعار حجم التحوّل. فبحسب أسعار متداولة في الأسواق وتقارير محلية، كان جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً قبل الحرب في حدود 13 إلى 15 ألف جنيه، قبل أن يتجاوز 30 ألفاً في بعض الأسواق بنهاية 2023، ثم واصلت الأسعار ارتفاعها خلال 2024، وتوالت الزيادات خلال 2025 و2026، وصولاً إلى أكثر من 100 ألف جنيه في عدد من الأسواق.

ولا تقف الأزمة عند سعر الجوال. فكل زيادة في الدقيق تضع المخبز أمام خيارين أحلاهما مر: رفع سعر الرغيف، وهو ما يصطدم بقدرة المستهلك، أو تقليل الوزن للحفاظ على السعر، بينما يؤدي ارتفاع تكاليف التشغيل إلى تقليص هامش الربح وربما توقّف بعض المخابز.

وبالنسبة للأسر، فإن الخبز ليس سلعة يمكن الاستغناء عنها بسهولة. ومع تراجع الدخول وارتفاع أسعار الغذاء والنقل والخدمات، تصبح الزيادة الجديدة جزءاً من ضغط أوسع على ميزانية منهكة أصلاً، وقد تدفع إلى تقليل الكميات أو تغيير نمط الاستهلاك.

على مر التاريخ، لم يكن الرغيف في السودان مجرد سلعة؛ فقد ارتبطت أزمات المعيشة والغلاء بمحطات من الاحتجاجات الشعبية. لكن العلاقة الأوضح بين الخبز والاحتجاج ظهرت في ديسمبر 2018، عندما فجّر ارتفاع سعر الخبز وأزمة نقصه، إلى جانب الغلاء وأزمة السيولة، احتجاجات بدأت في عطبرة في 19 ديسمبر، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى وتتحول إلى حركة شعبية واسعة انتهت بسقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019. وإن لم تكن أزمة الخبز وحدها سبباً في سقوط النظام، إلا أنها كانت إحدى الشرارات الأساسية للاحتجاجات.

وتعيد الزيادة الحالية الرغيف إلى الواجهة في ظروف مختلفة وأكثر قسوة؛ حرب أنهكت الناس، ونزوح وتراجع في الدخول والخدمات، مما يجعل التعامل مع ارتفاع الأسعار أكثر ارتباطاً بقدرة الأسر على التكيّف مع الأزمة اليومية.

وهنا تضيق الخيارات أمام الخبّاز والمستهلك معاً: سعر أعلى، رغيف أصغر، أو مخبز يتوقّف عن العمل. ويكشف حجم الزيادة في سعر الدقيق جانباً من هذا الضغط؛ فمن نحو 13 ألف جنيه للجوال زنة 25 كيلوغراماً قبل الحرب إلى 108 آلاف اليوم، ارتفع السعر أكثر من ثماني مرات، والرقم وحده يكفي لتوضيح حجم التحوّل الذي أصاب السوق والجنيه معاً.

وهنا تكمن المفارقة.. فالرغيف الذي كان يوماً شرارة للاحتجاج، أصبح اليوم جزءاً من أزمة تستنزف قدرة الناس على الاحتمال؛ ومع مطاردة الدقيق للجنيه، يقترب السؤال من حدود المعيشة نفسها: هل يعيد غلاء الرغيف فتح باب الاحتجاج، أم أن اختلاف المشهد الحالي عن 2018، وأوضاع الحرب وإنهاك الناس ومحدودية خياراتهم، ستجعلهم يبتلعون الزيادة، كما ابتلعوا كثيراً من المرارات خلال السنوات العصيبة الماضية؟

Exit mobile version