تأملات في شبكة الغيب؟!

الجميل الفاضل

في البدء، لم يكن السؤال عن الأرض، ولا عن السماء، ولا عن الإنسان الذي سيأتي، كان السؤال عن العلاقة:

﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، قالوا: بلى.

ثم نزلت «بلى» من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وجاءت الحياة كلها كأنها رحلةٌ طويلة ليستعيد الإنسان ذلك الجواب، لا بلسانه هذه المرة، إنما بيده، وبقلبه، وبما يفعل حين لا يراه أحد.

ثم جاء السؤال القرآني الآخر ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾؟

كأن الله يقول لنا: رأيتم، نعم، لكن هل بصرتم؟

رأيتم النطفة، فهل رأيتم الخالق؟

 ورأيتم الحرث، فهل رأيتم الزارع؟

﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ۝ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾؟

﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ۝ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾؟

فاليد تبذر، لكن الغيب يُنبت.

والعين ترى المطر، لكن القلب إن استيقظ رأى المُنزِل.

والإنسان يمسك بالأسباب، ثم يُدعى إلى ألا يعبدها.

هنا، ربما، يبدأ سرُّ شبكة الغيب.

ذلك العالم الذي لا نراه، لكن ما نراه لا ينفصل عنه.

كأن الشهادة سطح الماء، والغيب عمقه؛ وكأن الأشياء التي تمر أمام أعيننا ليست سوى خيوطٍ ظاهرة في نسيجٍ متكامل لا تراه العين.

ومن هنا لا يعود الإسلام والإيمان والإحسان، ثلاثة أبواب متباعدة،

لكنها ثلاثة وجوهٍ لعلاقة واحدة:

الإسلام: أن تستجيب لأمر الله.

والإيمان: أن تصدق بما أخبر الله به عن الغيب.

والإحسان: أن تفعل وأنت حاضرٌ مع الله.

«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

وهنا يتحول السؤال: ليس فقط: ماذا أفعل؟، لكن إلى: كيف أتعامل مع الله فيما أفعل؟، وهذه نقلةٌ صغيرة في العبارة، لكنها واسعةٌ في الرؤية.

فالدرهم الذي يخرج من يدك صدقة، تراه عينُك ينقص، لكن اليقين يراه يزيد.

في الحساب المادي: أنت تخرج، وفي حساب الغيب: أنت تودع.

ولعل في الأثر عن عائشة رضي الله عنها، حين كانت تطيّب دراهم الصدقة قبل أن تخرجها، إشارةً آسرة إلى هذا المعنى: هي لا ترى المال ذاهباً إلى فقير فحسب؛ لكنها ترى أن العطاء، في حقيقته، قد عبر من يد الإنسان إلى خزائن الله.

العين ترى فقيراً، واليد تناوله المال، لكن القلب يرى الله.

ولهذا يقول القرآن:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، إنه ميزانٌ آخر.

ميزان لا تراه الأسواق، ولا تعرفه الجيوب، ولا تستطيع الآلات أن تقيسه.

وفي هذا الميزان، قد تكون القطرة أعظم من النهر، والهرة باباً إلى النار، والكلب العطشان باباً إلى الجنة.

امرأة عُذبت في هرة حبستها؛ لا أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض.

وامرأة من بني إسرائيل غُفر لها حين سقت كلباً كان يلهث من العطش.

فما الذي جعل هذا الفعل الصغير عظيماً، وذلك الفعل الصغير مهلكاً؟

إنه ما وراء الفعل، إنه المعنى، إنها شبكة الغيب، حين تدخل فيها أفعالنا الصغيرة فتكتسب وزناً لا تراه العين.

لذلك ربما لا يكون السؤال دائماً: كم فعلت؟ لكن: مع من كنت حين فعلت؟ ولمن كان قلبك؟ فلا صغير مع تذكّر الله، ولا كبير مع الغفلة عن الله.

وهنا يولد اليقين.

أن تثق بما في يد الله، أكثر من ثقتك بما في يدك أو جيبك، أن تعطي ولا تشعر أنك خسرت، أن تُغلق في وجهك كل الأبواب، ولا تظن أن باب الله قد أغلق.

أن ترى السبب، ولا تنسى المسبّب.

وأن تمشي في عالم الشهادة، وقلبك موصولٌ بعالم الغيب.

عندها تفهم المعية هكذا:

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾.

إذ ليست المعية كلمةً تُقال عند الخوف، لكنها مقامٌ يُعاش.

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾.

بل لعل أقرب مواضع المعية ذلك الموضع الذي لا يخطر لنا على بال:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾.

فالله ليس فقط معك في الطريق؛ لكنه بينك وبين قلبك.

بين رغبتك وما يُقدَّر لك، بين ظنك وما يُكشف لك، بين الباب الذي تريده، والباب الذي يريد الله لك أن تدخله.

وهنا تتبدل الرؤية، لا تعود الأشياء أشياءً فقط، ولا الأسباب أسباباً فقط، ولا المصادفات محض مصادفات.

تصير الأشياء إشارات، والأسباب حُجُباً شفافة، والنية جسراً، والعمل رسالةً تُكتب في الغيب.

وتفهم أخيراً أن السؤال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾؟

لم يكن سؤالاً تجيب عليه العين وحدها، كان دعوةً إلى أن ترى ما وراء ما ترى، أن ترى العمق تحت السطح، أن ترى يد الله

فيما حسبته يدك.

وأن تستعيد، وسط ضجيج عالم الشهادة، ذلك الجواب الأول: بلى.

عندها فقط يصبح الغيب قريباً.

لا خلف الحياة.. إنما في عمقها.

Exit mobile version