بخورُ الباطن .. من فوحِ الأسرار؟!

الجميل الفاضل

يُقال في قاموس أهل الإشارة: «إنَّ الذي عنده بخورٌ لا محالةَ يُنْشَم».

وما استقرَّ في الباطن لا بدَّ أن يبوح؛ بكلمةٍ، أو نظرةٍ، أو موقفٍ، أو فعل.

لكن ربما كان عبقُ الكلمةِ هو الأكثرَ نفاذًا؛ حين يصعد منها بخورُ ما خبَّأه القلب، كما يصعد عطرٌ من جمرةٍ لا تُرى.

لهذا لا يكفي أن نقرأ وجهَ الإنسان، فالوجه ظاهرٌ، والقلب باطنٌ، والنية سرٌّ بينهما.

إذ نحن، في هذه الحياة، نمشي بين عالمين: أقدامٌ في طين الأرض، وقلوبٌ ترتقب التماعةِ برقٍ تأتي من بعيد.

هكذا نرى الحدث، ولا نرى دائمًا ما سبقه في سفر التكوين.

نرى الثمرة، ولا نرى البذرة؛ نرى الدخان، ولا نرى النار؛ نقرأ وجهَ التاريخ، ولا نكاد نلمح ما كانت تخبئه الأقدار، قبل أن يصير رايةً أو حربًا أو سلمًا.

فالظاهر ليس يتيمًا دائمًا؛ إذ وراء كلِّ ظاهرٍ باطنٌ، وأمام كلِّ باطنٍ ظاهرٌ ينتظر أن يولد.

وما التاريخ، في أحد وجوهه، إلا رحلةٌ يقطعها كل مكنون إلى البروز.

ولهذا قد يختلف اثنان في الفعل نفسه، مع أن الفعل واحد؛ أحدُهما قد يرفع يده بعين الرحمة، وذاك قد يرفعها بنزغ هوى، لكن لا يُرى منهما سوى مظهر هذا التشابه في الحركة.

أما في ميزان الحقيقة الأعمق فقد ترى اليدَ ويرى ما وراء هذه اليد قبل تحركها، وفي ذلك ينطوي سرُّ قوله تعالى:

﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾.

كأن السماء لا تقرأ صورةَ العمل فحسب، إنما تقرأ سرَّه، ومن هنا جاء أيضًا القول: «إنما الأعمال بالنيات».

فالنية ليست هامشَ العمل، بل نواته الأولى؛ فقد يسبق قلبُك قدميك إلى الله، كما قد تمشي إليه ببدنك، ويبقى قلبك بالباب.

ومن هنا، قد يكون عمل صغير جدا في أعين الناس عظيمًا في ميزان الحق، كما قد يكون عمل عظيم في أعين الناس، لا يبقى منه عند هذا الميزان شيء.

هرّةٌ محبوسةٌ كانت كافيةً لإهلاك امرأة، وقطرةُ ماءٍ نزلت بجوف كلبٍ يلهث، كانت كافيةً لفتح باب غفرانٍ لأخرى.

إذ ليس الماء هو الماء، ولا الفعل هو الفعل؛ إنما القصة في السرِّ الذي يسكن الماء، ويسكن الفعل.

وهنا يبدو القلب كأنه محطةُ صغيرة تلتقط شيئًا من الغيب داخل كل إنسان؛ من حيث هي كمكان تتولد فيه الأشياء قبل أن تصبح أفعالًا.

وفي أفق العارفين، تلوح الرقيقة المحمدية إشارةً إلى خيط الرحمة والهداية، الذي يصل القلب بالنور؛ إذ كلُّ رحمةٍ صادقة، وكلُّ دمعة خشوع، وكلُّ طمأنينة تهبط على القلب وسط العاصفة، قد تكون نافذةً فُتحت على مصدر هذا النور.

لكنها رقيقة لا ينبغي أن نبحث عنها في المسافات، إنما هي تكمن حقيقة في المقامات.

على أية حال، فالعالم كتابٌ عظيم: الأشياء حروفه، والأحداث كلماته، وفي القلوب منه سطورٌ مخبأة خفية، كأنها كتبت بمداد سري.

فيما نحن، نقرأ في غالب الأحيان من الحبر، ونغفل نوع الدواة.

ولذلك تجدنا نسأل: عما حدث فقط؟ لا عن الذي كان يتكوّن قطرة قطرة في الخفاء، قبل أن يظهر في صورة حدث مكتمل الأركان؟ نهتم بما تلوكه الألسن؟ لا بما كانت تختمره القلوب؟

بيد أن كل ما كنا نحاول أن نخفيه طويلًا قد لا يختفي تمامًا؛ فهو ربما ينتظر لحظته كي يتكلم بلغة الراهن والمباشر والممكن، التي لا ترى في الخبر أكثر من خبر، وفي الحدث أكثر من صورته، وفي التاريخ شيئًا من بخورِ بواطن، لا يري إلا كخيط دخان رفيع يتصاعد من بئر العماء إلى سطح الظهور.

المهم أن الطريق إلى الغيب ليس في أن ننأي عن الأرض، بل في أن نتعلق قليلًا بأستار كعبة هذا القلب لو أنه تطهر.

هناك، حيث تكون نيتك خير من عملك، وصدقك سابق لقولك، ورحمتك قبل يدك، توطئةٌ لانكشاف كثير من هذا المستور.

عمومًا، فأسرج قنديل قلبك، ولا تستعجل الخطى على مثل هذا الطريق.

فالسفر طويل، والنور قريب، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾.

Exit mobile version