التكوينات الجهوية

فيصل محمد صالح

تتواصل المعارك في جبال النوبة بين مجموعة الأطورو وقوات الحركة من المجموعات الأخرى، ووصلت إلى حد سيطرة الأطورو على مقر الإدارة المدنية ورئاسة الحركة في كاودا.

ولن تتوقف المعارك ما لم يتوصل الطرفان، وبالذات قيادة الحركة، إلى أن الأمر ليس مجرد تمرد عسكري يتم حسمه بالسلاح. هناك نزاع وخلافات حول ملكية الأراضي، وبالذات مع انتشار أماكن التعدين، قائم على أساس قبلي، ويحتاج إلى حكمة وبعد نظر ليتم حله سلميًا.

وضعتُ السطور السابقة كمدخل للحديث عن الحركات المسلحة القائمة على أساس قبلي وجهوي، والمأزق الوجودي الذي تواجهه كلما حاولت تقديم نفسها عبر مانيفستو سياسي يعطيها طابعًا قوميًّا أو آيديولوجيًّا، إذ سرعان ما تواجه تحديات تشدها إلى الجذر الإثني والقبلي، وتفتتها أحيانًا إلى وحدات قبلية أصغر تتصارع فيما بينها.

ولنا في الحركة الشعبية لتحرير السودان مثال، فلم يكن هناك نموذج أرقى وأفضل وأكبر منها، بفضل قيادة الدكتور جون قرنق ورؤيته السياسية المتمثلة في السودان الجديد، والتي اجتذبت سودانيين من كل أنحاء البلاد، رغم أن تكوينها الأصلي اعتمد على أبناء جنوب السودان.

وفي منتصف الطريق انشقت الحركة على أساس قبلي، فتحالف النوير بقيادة رياك مشار، والشلك بقيادة لام أكول، ضد قيادة الدكتور جون قرنق التي اعتمدت بشكل أساسي على قبيلة الدينكا.

وحين فقدت الحركة الدكتور جون قرنق، تبخرت كل الأدبيات السياسية والشعارات النضالية السابقة، وصارت الحركة جسمًا يضم الجنوبيين التواقين للاستقلال عن الشمال. وليس في هذا انتقاص من حق الجنوبيين في تقرير المصير وفق إرادتهم الحرة، لكنه دليل على أن الجذر الإثني والقبلي أقوى من الآيديولوجيا والتوجه السياسي. أو لم يقل داوود يحيى بولاد إنه اكتشف، في تجربة الإسلاميين في السودان، أن الدم أثقل من الدين؟.

ومثل هذا ينطبق على حركات دارفور التي لم تعمّر طويلًا قبل أن تنقسم على أساس قبلي: الفور مع عبد الواحد، والزغاوة، بحسب عشائرهم، جزء مع مناوي وجزء آخر مع جبريل إبراهيم.

الأمر نفسه ينطبق على تجربة الدعم السريع وتحالف «تأسيس».

هناك صورة ملونة لقيادة «تأسيس» ترى فيها مثقفين وسياسيين من كل أنحاء السودان، لكن حين تنزل إلى الميدان، هناك قوات الدعم السريع ذات التكوين القبلي الواضح بلا مواربة، وصاحبة الممارسات الانتقامية من كل من تصنّفه من الجلابة ودولة 56، وأبناء دارفور من المجموعات الأخرى، وغيرها، بشكل لا يخجل أبدًا من إظهار ذلك، بغض النظر عن المواثيق والشعارات السياسية.

هذا الغطاء سينكشف يوم تتوقف الحرب ويبدأ النقاش السياسي حول مطالب كل طرف. سيعود كل طرف إلى أصله القبلي ومطالبه الجهوية.

ولهذا، فإن مواجهة هذه التكوينات في التفاوض أفضل وأوضح من مواجهتها في الميدان؛ فهي تتوحد ساعة القتال وتغطي نفسها بالشعارات السياسية، لكنها تكشف قناعها الحقيقي وتنزاح عنها الأصباغ في ظل السلام.

لهذا نقول إن السلام أفضل. صحيح أن طريقه شاق وطويل، لكن على الأقل سيتوقف الموت والدمار، ونبدأ في مناقشة القضايا الحقيقية التي تفرقنا.

Exit mobile version