دوافع واشنطن حول الكشف عن معلومات استخدام الكيماوي

صلاح شعيب

ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر في الخامس من سبتمبر 2026 من أدلة دامغة، ضمن ملف سري حصل عليه مراسلوها من جهة استخباراتية في الشرق الأوسط، أعاد هذه المرة إحياء ملف الأسلحة الكيميائية في السودان بقوة أكبر.

فما نشرته الصحيفة العريقة من تفاصيل دقيقة للغاية مضمنة بوثائق مهمة عبر عملائها داخل نظام بورتسودان، ودول أخرى، سينهي مهمة اللجنة الوطنية التي كونها البرهان سابقاً حين صدر الاتهام المعني في باديء الأمر.

ففي المادة المنشورة للصحيفة هناك رصد دقيق يتعلق بصور، ومقاطع فيديو وأكثر من مئة رسالة صوتية ونصية توضح استخدام الجيش السوداني، لنحو نصف عام، مخزون غاز الكلور في الحرب.

هذه التسريبات لا شك أنها ستعقد أزمة بورتسودان على مستويات متعددة: إفشال الحوار الذي تدعمه دول المنطقة بتأثيرها على الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. كذلك محاصرة طموح البرهان الرئاسي، وإضعاف شرعية سلطته دولياً.

إن الخطوة الأمريكية ليست معزولة عما يجري في الإقليم. بدءً من التقارب العسكري المصري-الصيني، الذي تجسد في مناورات «نسور الحضارة» (2025 ثم 2026) بمشاركة مقاتلات صينية من طراز جيه-16 وطائرات تموين وإنذار مبكر.

وكانت واشنطن قد ردّت على تلك التحولات المصرية بتعزيز التعاون الدفاعي الاستراتيجي مع إثيوبيا في أغسطس 2026. إذ أسفرت مشاورات في البنتاغون عن إطار شامل للتعاون الأمني والعسكري.

ولعل حمى التوازن الإقليمي في المنطقة يعكس حسابات أعمق تتعلق بنفوذ الصين، وإيران، وبأمن البحر الأحمر، وبموقف واشنطن من أي تحالفات قد تُحصّن فرص البرهان المتهمة حكومته بعلاقة مع الحرس الثوري الإيراني.

إن الطرق الصاخب الجديد على موضوع الكيماوي بهذه المعلومات الدقيقة ليس معزولا عن سلسلة العقوبات الأمريكية السابقة على رموز الجيش، وداعميه الإسلاميين، ويمثل بناءً منهجياً لسياسة “العصا والجزرة” التي عرفت بها واشنطن.

وكما نعلم أنها فرضت في السابق عقوبات على البرهان شخصياً، مستندة جزئياً إلى معرفته بالبرنامج الكيميائي.

كما استهدفت عقوبات سابقة ميرغني إدريس سليمان، مدير عام منظومة الصناعات الدفاعية، المسؤولة عن الإنتاج والتسليح، وعلي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية، الذي فرضت عليه عقوبات منذ 2023 بتهمة عرقلة التحول المدني ووقف إطلاق النار.

هذه الإجراءات تربط مباشرة بين تورط التصنيع الحربي والجناح الإسلامي (البراءيين) في سياق الآلة العسكرية، وتضع حجة حية لاستمرار الضغط على البرهان عبر رافعة الاتهام بالكيماوي لمدى قد يتحول إلى التدويل عبر المنظومات الأممية.

كذلك تأتي معلومات الكيماوي الجديدة التي يُصعب لبورتسودان نفيها متزامنة مع الموقف الأمريكي الثابت منذ إدارة بايدن – وامتداداً إلى إدارة ترمب – حيال الحرب.

فواشنطن ظلت متسقة إلى الآن في موقفها المناوئ لمواقف بعض حلفائها في المنطقة من الأزمة السودانية.

إذ شددت على ربط حلها بخطة خماسية تشمل هدنة إنسانية فورية، ووقفاً دائماً لإطلاق النار، وحواراً مدنياً انتقالياً، وإعادة إعمار. ولعل رفض بورتسودان الدائم هذه الخطة وإفشالها لمسعى تفاوض جنيف الذي دعت له إدارة ترمب يمثل جزءً من الأسلوب الاميركي باستخدام عصاها الغليظة في الأزمة التي يعايشها السودان بسبب الحرب.

ولذلك فإن هذا الضرب الأمريكي الساخن المتتالي، والمتصاعد، على حديد الكيماوي لا يمثل في خاتم المطاف موقفاً ضد بورتسودان فحسب، بل رسالة إلى بعض حلفائها أيضاً، وحلفاء الحل بالحرب.

فملفات واشنطن مع شركائها الإقليميين ليست كلها محسومة: الاتفاقات الإبراهيمية، والموقف من إيران، والتقارب مع باكستان، والتخوف من الشراكات الاستراتيجية لدول المنطقة مع الصين.

وكل ما تفعله أميركا من مواقف متصلة بهذه القضايا يتحرك ضمن مدى استراتيجي أعمق يصب في مصالح أمريكية لا يساوم عليها البيت الأبيض.

إذن ينبثق ضغط واشنطن على حكومة بورتسودان ضمن إطار تنبيه حلفائها الداعمين للجيش بأنها تملك القدرة على تعقيد طموحاتهم في توطيد أركان البرهان في السلطة، سواء عبر التلويح بالعقوبات في ما خص استخدام الكيماوي، أو عبر موازنة النفوذ في القرن الأفريقي.

فالأدلة الجديدة التي أبرزها تقرير نيويورك تايمز لا بد أنه سيعقد أزمة العلاقة بين بورتسودان وواشنطن أكثر فأكثر.

والأهم من كل هذا أنه سينسف الحوار السوداني الذي يهدف لتقنين شرعية زائفة للبرهان فيما تلتف حوله اتهامات قد تصل إلى التدويل القضائي.

Exit mobile version