مأزق الكتلة الديمقراطية!!

أشرف عبد العزيز

تمر الكتلة الديمقراطية بأحد أعقد اختبارات التماسك السياسي منذ تأسيسها، حيث يتصاعد التوتر مكتومًا وعلنًا بين مكوناتها حول آليات إدارة العملية السياسية ومستقبل الحوار السوداني–السوداني. ولم تعد الخلافات مجرد وجهات نظر متباينة حول تكتيكات التفاوض، بل تحولت إلى صراع رؤى عميق يهدد ببقاء هذا التحالف، خاصة مع التصريحات الأخيرة لرئيس حركة جيش تحرير السودان، مني أركو مناوي، والتي حذر فيها بصراحة غير مسبوقة من أن طريقة إدارة الحوار الحالي قد تدفع التحالف، والعملية السياسية برمتها، نحو انقسام وشيك.

تتجلى أزمة الكتلة في وجود تباين جوهري بين الحركات المسلحة التي تصر على التعاطي السريع مع الاستحقاقات السياسية، وبين الأحزاب والقوى المدنية المنضوية تحت مظلة التحالف، فبعض مكوناته تفضل إسناد العملية التفاوضية لوساطات إقليمية ودولية توفر ضمانات أوسع.

وتكشف التطورات الأخيرة أن محور الخلاف لا يقتصر على المبادئ العامة، بل يتركز بشكل مباشر في الآليات الإجرائية، وفي مقدمتها تشكيل اللجنة التمهيدية المعنية بالإعداد للحوار.

فبينما يدفع تيار سياسي نحو قيادة العملية عبر شخصيات وحزبية محددة، يرى تيار آخر ضرورة تجاوز العقبات الإجرائية وعدم تعطيل العملية السياسية بسبب صراعات التشكيل والمناصب.

هذا الانقسام الإجرائي يتغذى على استقطاب قيادي حاد بين رئيس حركة العدل والمساواة، جبريل إبراهيم، ورئيس حركة جيش تحرير السودان، مني أركو مناوي. يمثل كل منهما رؤية مختلفة لمستقبل التحالف والتحالفات الوطنية، إذ يميل الجناح الموالي لمناوي إلى الانفتاح على المبادرات الدولية والبحث عن صيغ تضمن توازن القوى وتفادي هيمنة طرف واحد، بينما يبدو الجناح الذي يقوده جبريل أكثر انسجامًا وتأييدًا للمبادرات المطروحة محليًا برعاية قيادة الجيش. هذا الاستقطاب لا يهدد وحدانية القرار داخل الكتلة الديمقراطية فحسب، بل يمتد بأثره المباشر إلى اتفاق جوبا لسلام السودان، حيث تتزايد المخاوف من أن يؤدي أي انهيار في هيكل التحالف إلى تآكل المكاسب السياسية والعسكرية التي حققتها أطراف السلام، وإعادة المربع إلى نقطة الصفر.

إن رفع التوصيات إلى الهيئة القيادية للكتلة لعقد ورشة عمل للبت في آليات إدارة الحوار يعكس محاولة أخيرة لترميم التصدع الداخلي، إلا أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهونًا بقدرة القيادات على تقديم تنازلات حقيقية.

إن التحذيرات النافذة التي أطلقها مناوي تضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية، فإما التوافق على رؤية مرنة تستوعب التباينات وتضمن مشاركة متوازنة، وإما الذهاب نحو انقسام مكتمل الأركان يعيد تشكيل الخارطة السياسية في السودان، ويترك الكتلة الديمقراطية مجرد أثر في تاريخ التحالفات السودانية العابرة.

Exit mobile version