إخوان السودان ومحاولة اغتيال مبارك .. لماذا أرادوا قتله؟
إبراهيم هباني
في صباح 26 يونيو 1995، غادر الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك مطار أديس أبابا متجهاً إلى قمة منظمة الوحدة الأفريقية. في الطريق، كان مسلحون ينتظرون موكبه.
انهمر الرصاص، ورد الحرس. نجا مبارك وعاد إلى المطار وغادر إثيوبيا. انتهت محاولة الاغتيال خلال دقائق، لكن التحقيق فيها فتح واحداً من أخطر ملفات الإسلاميين في المنطقة، وقادت بعض أبرز خيوطه، وفق التحقيق الإثيوبي، إلى الخرطوم.
بعد أكثر من ثلاثة عقود، لم يعد السؤال فقط: من حاول قتل حسني مبارك؟
السؤال الأهم: لماذا أراد المنفذون قتله، وما حقيقة الدور الذي نُسب إلى شبكات وشخصيات كانت موجودة في السودان؟
لماذا مبارك؟
كانت مصر في النصف الأول من التسعينيات تخوض مواجهة دامية مع جماعات إسلامية مسلحة أرادت إسقاط الدولة. وكان مبارك، بالنسبة إليها، رأس النظام الذي تحاربه.
وفي الجهة الأخرى، كان السودان يعيش تجربة مختلفة. فقد استولت الحركة الإسلامية على السلطة بانقلاب 30 يونيو 1989 الذي حمل عمر البشير إلى الرئاسة، وتحولت الخرطوم خلال السنوات التالية إلى ملتقى لإسلاميين وجماعات متشددة من دول عدة.
ومن هنا تبدأ إحدى أهم زوايا قصة أديس أبابا.
التحقيق الإثيوبي الرسمي المقدم إلى مجلس الأمن في الوثيقة S/1996/10 أفاد بأن الإعداد لاستهداف مبارك سبق العملية بفترة طويلة. ووفق التحقيق، وصل مصطفى حمزة وشخص استخدم اسم «عزت» من الخرطوم إلى أديس أبابا مطلع 1994 لاستطلاع المكان والإعداد للعملية.
إذا صحت تفاصيل التحقيق الإثيوبي، فنحن أمام عملية أُعد لها لأشهر طويلة، ولم تكن قراراً اتُّخذ قبل وصول مبارك بأيام.
لماذا ظهر اسم الخرطوم؟
نسب التحقيق الإثيوبي التنفيذ إلى عناصر من الجماعة الإسلامية المصرية، وحدد شبكة من 11 عنصراً مرتبطة بالمؤامرة، وقال إن قيادة رئيسية لها كانت موجودة في الخرطوم.
الرواية الإثيوبية لم تتعامل مع السودان باعتباره مجرد مكان أقام فيه بعض المتشددين المصريين، وإنما نسبت إلى شبكات موجودة فيه أدواراً في التحضير والتسهيل والدعم اللوجستي.
هذه نتائج التحقيق الإثيوبي وليست حكماً قضائياً بإدانة الدولة السودانية أو جميع المسؤولين الذين وردت أسماؤهم لاحقاً في القضية.
كما أنكرت حكومة عمر البشير مسؤوليتها عن العملية وقدمت روايتها إلى مجلس الأمن. وهذا الإنكار جزء من السجل التاريخي للقضية ولا يصح إسقاطه.
ومن ثم تبقى المسألة الأساسية هي تحديد حجم الدور الذي لعبته الشبكات الموجودة داخل السودان، وما إذا كانت تحركت بمفردها أم بعلم أو مساعدة عناصر داخل أجهزة الدولة.
ماذا كان يعرف رجال الإنقاذ؟
لا توجد في الوثائق المنشورة التي يمكن الاعتماد عليها وثيقة تثبت أن عمر البشير شخصياً أصدر أمراً باغتيال مبارك.
لكن القضية تصبح أكثر تعقيداً عندما نصل إلى شهادات من داخل الحركة الإسلامية السودانية نفسها.
بعد وفاة حسن الترابي، بُثت شهادة مسجلة تحدث فيها عن محاولة الاغتيال، وورد في روايته اسما علي عثمان محمد طه ونافع علي نافع في سياق الحديث عن العملية.
كما نُسب إلى الترابي حديث عن اتجاه، بعد فشل العملية، إلى التخلص من اثنين من المشاركين فيها.
إن ثبتت هذه الرواية بأدلة مستقلة، فإنها تفتح احتمال محاولة إخفاء بعض أسرار العملية بعد فشلها.
لكن شهادة الترابي تظل شهادة من داخل النظام، وليست حكماً قضائياً. ومن الخطأ تحويلها وحدها إلى إدانة نهائية لأي شخص.
قيمة الشهادة أنها تفرض التحقيق، لا أنها تغلقه.
من أطلق النار؟
هذه النقطة مهمة لمنع الخلط بين التنظيمات.
التحقيق الإثيوبي نسب الهجوم إلى عناصر مصرية مرتبطة بـالجماعة الإسلامية المصرية.
وبالتالي لا يصح القول إن جماعة الإخوان المسلمين المصرية هي التي نفذت الهجوم، كما أن المسلحين لم يكونوا مجموعة سودانية من الحركة الإسلامية.
ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بالعملية مصطفى حمزة، الذي قالت إثيوبيا إنه كان من العناصر القيادية المرتبطة بالتخطيط للعملية من الخرطوم.
وفي المقابل، نفى حمزة لاحقاً مسؤولية السودان، وقال إن الجماعة الإسلامية المصرية تولت التفكير والتخطيط والتنفيذ.
لدينا إذن روايات متعارضة، لكن لدينا أيضاً وقائع دفعت القضية إلى مجلس الأمن.
ثلاثة مطلوبين ومجلس الأمن.
بعد فشل العملية، طالبت إثيوبيا السودان بتسليم ثلاثة مشتبه بهم قالت إنهم لجأوا إلى الأراضي السودانية.
لم يتم تسليمهم.
وفي 31 يناير 1996 أصدر مجلس الأمن القرار 1044، وطالب حكومة السودان باتخاذ إجراءات فورية لتسليم المطلوبين الثلاثة إلى إثيوبيا، كما طالبها بالكف عن مساعدة ودعم وتسهيل الأنشطة الإرهابية وإيواء عناصرها.
لاحقاً صدرت القرارات 1054 و1070، وفرضت إجراءات وعقوبات على السودان بسبب عدم الامتثال للمطالب الدولية المرتبطة بالقضية.
وهذه وقائع موثقة لا تعتمد على شهادة الترابي أو الرواية المصرية.
ويبقى مصير المطلوبين الثلاثة واحداً من أكثر جوانب الملف غموضاً: هوياتهم، مكان وجودهم بعد العملية، ومن وفر لهم الحماية إن ثبت وجودهم في السودان، وأسباب عدم تسليمهم.
هذه التفاصيل قد تكون المفتاح لفهم ما حدث خلف الكواليس.
السودان في سنوات الإسلاميين
لا يمكن قراءة محاولة اغتيال مبارك بعيداً عن طبيعة الخرطوم في النصف الأول من التسعينيات.
كان أسامة بن لادن يقيم في السودان. كما استضافت البلاد إسلاميين وشخصيات مرتبطة بتنظيمات مختلفة، بينما كان المشروع الإسلامي السوداني يسعى إلى لعب دور إقليمي يتجاوز حدود الدولة.
لكن وجود هذه البيئة، مهما كان مثيراً للريبة، لا يثبت وحده المسؤولية عن محاولة اغتيال مبارك.
إنما يجعل التحقيق في حركة المجموعة المصرية، وشبكات مساعدتها، ومدى معرفة أجهزة الدولة بها، أكثر أهمية.
الرصاصة التي دفع السودان ثمنها.
نجا الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.
لكن السودان دفع ثمناً سياسياً ودبلوماسياً كبيراً للقضية. تدهورت علاقاته مع مصر وإثيوبيا، وانتقلت القضية إلى مجلس الأمن، ثم جاءت العقوبات والعزلة الدولية.
وهنا تكمن المفارقة.
سواء كان القرار قد اتُّخذ داخل أجهزة الدولة، أو بواسطة شبكات إسلامية تحركت من السودان، فإن الدولة السودانية وجدت نفسها في النهاية تدفع ثمن جريمة قالت إنها لم ترتكبها.
وإعادة فتح الملف بعد أكثر من ثلاثة عقود ليست محاولة لإصدار حكم بأثر رجعي، بقدر ما هي محاولة لفهم مرحلة اختلطت فيها التنظيمات بالدول، والأيديولوجيا بالمخابرات، والضيوف السياسيون بالشبكات السرية.
فالوثائق تثبت العقوبات والمطالب الدولية، والتحقيق الإثيوبي يقدم روايته التفصيلية، وحكومة البشير أنكرت الاتهامات، بينما جاءت لاحقاً شهادات من قلب الحركة الإسلامية لتعيد فتح ما ظُن أنه أُغلق.
وبين هذه الروايات تبقى الحقيقة الكاملة بحاجة إلى استكمال.
نجا مبارك من رصاص أديس أبابا.
أما السودان، فبقي لسنوات يدفع فاتورة قضية لم تُكشف كل أسرارها بعد.
المصادر الأساسية: وثيقة الحكومة الإثيوبية المقدمة إلى مجلس الأمن S/1996/10؛ قرارات مجلس الأمن 1044 و1054 و1070 لعام 1996؛ محاضر مجلس الأمن المتعلقة بالقضية؛ شهادة حسن الترابي المسجلة قبل وفاته؛ والملفات المتعلقة بمصطفى حمزة والجماعة الإسلامية المصرية، إلى جانب الرواية الرسمية السودانية النافية للتورط.