في السيرة الذاتية للمرشح الرئاسي!!

د. أحمد عثمان عمر

إمتلأت الأسافير بحملة ترشح الجنرال الإنقلابي المزمن رئيسا للجمهورية، في خطوة متقدمة لإعلان الإجهاز على الوثيقة الدستورية المعيبة التي شبعت موتا، بإعلان تغيير طبيعة النظام الدستوري بعد تقويضه مسبقا عبر الإنقلاب الثاني في أكتوبر 2021م، وإكمال تفكيك الدولة نفسها وتدمير مؤسساتها بإشعال الحرب اللعينة الماثلة.

وبغض النظر عن إضمحلال الدولة وانهيارها، وعدم حاجة الإنقلابي المزمن لحملة ترشيح ، لأنه قادر على تمزيق الوثيقة الدستورية المعيبة أو إستبدالها، أو تعديلها وإلغاء مجلس السيادة وخلق رئاسة للجمهورية، وتعيين نفسه رئيسا بعد ترقية نفسه لرتبة مشير. ولكن بما إنه إختار طريق حملات الترشيح، التي تشي بوجود إستفتاء منقوص في مناطق سيطرة الجيش المختطف، لأنه من المستحيل أن تكون هناك إنتخابات في ظل ظروف الحرب، يصبح من الطبيعي أن نتعرض لسيرة المرشح الذاتية وصحيفته الجنائية بإعتبار أنه يحتاج لشهادة حسن سير وسلوك للترشح.

وهذه الشهادة تستلزم التعرض للإتهامات الموجهة له، والتي وإن لم تكن مثبتة بعد في صحيفته الجنائية، فهي لا تقل أهمية لخطورتها. فالإنقلابي المزمن إن لم يكن متهما فهو على الأقل مشتبه به أول في الجرائم الاتية:

أول هذه الجرائم، جريمة الحرب المتكررة المتمثلة في قصف المدنيين دون تمييز وقتل عدد كبير منهم. وهذا ما وثقته منظمة هيومان رايتس ووتش في تقريرها وعبر إستنطاق الشهود حول قصف المدنيين بمدينة نيالا طوال الأشهر من نوفمبر 2024م وحتى فبراير 2025م. وهذه الجريمة المتكررة الناتجة عن قصف وسط المدينة بقنابل غير موجهة وغير دقيقة، جريمة مستمرة بكل أسف وثقتها تقارير سابقة من منظمات وصحافة إستقصائية مستقلة.

وبكل تأكيد قيادة الجيش المختطف هي المسؤولة جنائيا عن تلك الجرائم، بإعتبارها الجهة صاحبة الصفة في إعطاء الأوامر بالقصف، كما أنها الجهة القيادية التي تستطيع منع قصف المدنيين، وهي الجهة الرقابية التي من واجبها المحاسبة إن لم تكن هي من أعطى الأوامر والتعليمات. وأيا من هذه الحالات كاف لإدانتها في حال تقديمها للعدالة الجنائية الوطنية أو الدولية.

وثانيهما هو إرتكاب القيادة غير الشرعية الحالية لإنقلابين عسكريين، هما إنقلاب القصر الذي قطع الطريق على ثورة ديسمبر المجيدة وكون مجلس الإنقلاب العسكري في 2019م، وإنقلاب أكتوبر 2021م الذي تم بموجبه تقويض النظام الدستوري القائم على أساس الوثيقة الدستورية المعيبة. وإنقلاب القصر رغم أنه قد تم ضد سلطة الإنقاذ غير الشرعية وبالتنسيق معها للحفاظ على مكتسبات التمكين، إلا أنه يظل من حيث القانون جريمة تقويض للنظام الدستوري ومخالفة للمادة (50) من القانون الجنائي تصل عقوبتها للإعدام، كما أنها مخالفة للمادة (163) من قانون القوات المسلحة وإرتكاب لجريمة التمرد التي تصل عقوبتها للإعدام أيضاً. وهذا هو نفس الحال فيما يخص إنقلاب أكتوبر 2021م الشهير بانقلاب الموز الذي تناسلت منه السلطة غير الشرعية الحالية، والذي أسس للحرب الماثلة بين الشريكين في الجريمة (قيادة الجيش المختطف وقيادة مليشيا الجنجويد الإرهابية).

ثالثهما وأهمها، مجزرة فض إعتصام القيادة العامة التي تم إرتكابها لكسر إرادة الجماهير والمحافظة على تمكين الحركة الإسلامية المجرمة، حيث تمت بإتفاق جنائي واشتراك بين قيادة الجيش المختطف وقيادة الجنجويد في اللجنة الأمنية للإنقاذ، ومسؤوليتهما عنها من المستحيل التنصل منها. فالبينات متوفرة إبتداءً من تصريح “حدث ما حدث ” الشهير والموثق جيداً، مرورا بالفيديوهات وشهادة الشهود التي تثبت طبيعة القوات التي إرتكبت المجزرة، وجميعها تقع تحت إمرة قيادة الجيش المختطف بوصفها المجلس العسكري الانقلابي حينها.

رابعتهم جريمة قتل المتظاهرين السلميين المستمرة منذ إندلاع ثورة ديسمبر المجيدة وحتى إندلاع الحرب اللعينة الراهنة، وخصوصا في الفترة بعد وقوع جريمة إنقلاب أكتوبر 2021م وظهور سلطة الأمر الواقع غير الشرعية الحالية، واغتصابها للسلطة والإستمرار في هذا الإغتصاب عبر تكوين مؤسسات غير دستورية بديلة للمؤسسات الشرعية.

وهذه الجريمة المتعددة والمتكررة ، لا يمكن التنصل منها بأي صورة من الصور، فهي جريمة إرتكبتها قوات نظامية تابعة لقيادة الجيش المختطف بإعتبارها سلطة الأمر الواقع والقيادة التي تصدر الأوامر، وتستطيع منع وقوع الجريمة في إطار الضبط والربط وهرمية القيادة والسيطرة، مع ثبوت واجبها في التحقيق والمحاسبة، وكلها أسباب كافية للإدانة بهذه الجريمة المستمرة.

خامستهم هي جريمة تبديد المال العام والتصرف فيه دون وجه حق ودون صفة شرعية. فالسلطة غير الشرعية ليس لديها الحق في التصرف في الأموال الحكومية والتعدي عليها، وليس لها أي حق في السيطرة على الإحتياطي النقدي الموجود حينها في بنك السودان لحظة وقوع إنقلاب الموز، كما ليس لها الحق في إستلام إيرادات الدولة وجباية الأموال والتصرف فيها دون صفة، والسماح لمن عينتهم بالتصرف فيها كذلك.

بالإضافة إلى ما تقدم تأتي الجرائم ذات الطابع السياسي المتمثلة في إشعال الحرب والإنخراط فيها وتكوين المليشيات لخوضها، والفشل في القيام بالواجب عبر الإنسحابات المتكررة وترك المواطن الأعزل فريسة للجنجويد، وكذلك إفساد النظام العدلي والإعتداء على إستقلال القضاء واستخدامه كأداة لتصفية الخلافات السياسية مع الخصوم السياسيين، وجريمة التفرقة بين المواطنين والتجريم على أساس الهوية فيما عرف بقانون الوجوه الغريبة، وإعادة المفصولين بواسطة لجنة تفكيك وإزالة التمكين من الإسلاميين وتمكينهم من جهاز الدولة مجددا، في إطار بناء مؤسسات تكرس الانقلاب وتضمن إستمراريته، وغير ذلك من جرائم الإضرار بالإقتصاد الوطني وحماية الفساد المالي والإداري ومثال له ما حدث من بعثة الحج في موسم الحج السابق وما حدث في توزيع الإغاثة.

ومؤدى ما تقدم هو أن جنرالات نظام المخلوع البشير غير الشرعيين المسيطرين على الجيش والمختطفين له والمنتحلين لصفة قيادته، هم على أقل تقدير وفي أحسن الفروض مشتبه بهم بارتكاب الجرائم الموصوفة أعلاه، والإنقلابي المزمن أولهم، لأنه لم يتم تعيينه قائداً عاماً للجيش وفقا للمادة (10) من قانون القوات المسلحة، فالرئيس المخلوع لم يعينه قائداً عاما بل عينه مفتشا عاما، وحين آلت سلطة التعيين لرئيس وزراء حكومة شبه المدنية، لم يعينه ايضاً.

فوق ذلك الإنقلابي المزمن مغتصب لسلطة التشريع ، ومخول لنفسه الحق في التقويض التشريعي المستمر للدستور (الوثيقة الدستورية المعيبة)، وتشريع القوانين، ومنح الحصانات وإسقاطها، وابتداع أدوات اجرائية لا سند قانوني لها، وإدارة الدولة كضيعة ومزرعة خاصة ، في فقدان كامل للشرعية وتقحم للنشاط السياسي، بالمخالفة لقانون القوات المسلحة.

مؤخرًا أضيف إلى كل ذلك ، اتهام غليظ بإستخدام أسلحة محرمة دولياً، وتصنيع واستخدام سلاح كيميائي، وإشتباه بضلوع الإنقلابي المزمن في ذلك وفقا لتقارير الصحف الأمريكية. وهذا ربما يقوده ليصبح هاربا من العدالة الجنائية الدولية مثل سلفه المخلوع.

مثل هذه السيرة الذاتية، تؤهل صاحبها للخضوع للتحقيق، ومن ثم المثول أمام المحكمة المختصة في محاكمة عادلة لا الترشح لرئاسة الدولة.

بلا شك شعبنا يستحق افضل من هكذا مرشحين، ولا يستحق نظاما رئاسياً شمولياً، بل نظاماً برلمانياً اساسه المحاسبة.

Exit mobile version