منذ أن تولى عبد الله حمدوك رئاسة حكومة الثورة، لم تتوقف محاولات اغتياله سياسيا. تغير المهاجمون والمنابر، وبقي الاتهام واحدا: الرجل عميل، وضعيف،
ومتآمر على الدين والجيش والسودان.
غادر السلطة، لكنهم لم يغادروه.
ابتعد عن المشهد، فلاحقوه. تحرك لوقف الحرب، فاتهموه بإشعالها. رفض تشكيل حكومة موازية، فلم يشفع له موقفه.
وحين قاد “صمود” نحو جبهة مدنية أوسع، انتقلت حملة الشيطنة من شخصه إلى التحالف، ثم إلى “إعلان المبادئ”.
لهذا، يصعب تصديق أن المشكلة كانت في موقف اتخذه حمدوك، أو اتفاق وقعه، أو خطأ ارتكبه.
المشكلة الحقيقية في المشروع الذي لا يزال يمثله: دولة مدنية، وجيش مهني واحد، وسلطة لا يديرها الإخوان من وراء الستار.
لكن الإنصاف واجب.
لم يكن كل من انتقد حمدوك إخوانيا أو انقلابيا. قوى مدنية وثورية ومهنية هاجمته أيضا، وبعضها فعل ذلك من موقع الحرص على الثورة. رأى منتقدوه أنه كان أبطأ من الشارع، وألين من المطلوب في مواجهة العسكر، وأقل حزما في إدارة شركائه.
وهذا نقد مشروع.
غير أن النقد شيء، وتحويل الرجل إلى أصل كل خطايا السودان شيء آخر.
حكومة بلا دولة
لم يرث حمدوك دولة طبيعية حتى نحاسبه كما نحاسب رئيس وزراء منتخب في بلد مستقر.
ورث اقتصادا منهارا، وديونا تجاوزت خمسين مليار دولار، وخزينة شبه فارغة، وعملة تتهاوى، ومؤسسات اخترقها تنظيم الإخوان طوال ثلاثين عاما.
ورث أيضا دولة معزولة، مدرجة على قائمة الإرهاب، ومقطوعة عن النظام المالي العالمي. أما السلطة نفسها، فلم تكن كاملة في يد حكومته. كان المال والسلاح ومفاتيح القوة موزعة بين الجيش والأجهزة الأمنية وقوات الدعم السريع وشركات لا تخضع لوزارة المالية.
كانت المفارقة واضحة: الشعب يطالب الحكومة المدنية بالإنجاز، بينما أدوات الحكم الفعلية بقيت عند المكون العسكري.
كان على حمدوك أن يصلح الاقتصاد، ويحقق السلام، ويفكك التمكين، ويعيد بناء المؤسسات، ويحاكم رموز النظام السابق، ويحقق شعارات الثورة، من دون أن يمتلك دولة كاملة.
ومع ذلك، أنجزت حكومته ما لم يكن متاحا قبل سقوط البشير.
ما الذي أنجزه؟
خرج السودان في عهد حمدوك من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد سنوات طويلة من العزلة. وعاد إلى البنك الدولي وصندوق النقد، ووصل إلى نقطة القرار في مبادرة إعفاء الدول الفقيرة المثقلة بالديون، فاتحا الطريق لمعالجة عشرات المليارات من الدولارات من ديونه الخارجية.
أعادت حكومته السودان إلى المجتمع الدولي. وفي مؤتمر باريس، انتقل البلد من موقع الدولة المنبوذة إلى دولة تستعيد ثقة العالم وتطرق أبواب الاستثمار والتعاون الاقتصادي.
أطلقت الحكومة برنامج “ثمرات” لدعم الأسر، وبدأت إصلاحات اقتصادية صعبة ومكلفة شعبيا.
ويمكن الاعتراض على توقيتها وطريقة تنفيذها، لكن لا يمكن الادعاء بأنها صنعت الأزمة. فقد كانت تعالج اقتصادا خربه نظام البشير، لا اقتصادا سليما تسلمه حمدوك ثم أهدره.
وفي عهده اتسعت الحريات، وتراجع القمع المنظم، وانفتح المجال أمام الصحافة والعمل السياسي والمدني. وألغيت قوانين مقيدة للحريات، واتخذت خطوات مهمة لتعزيز حقوق النساء، وتخفيف قبضة الدولة العقائدية على حياة السودانيين.
هل كانت حكومته ناجحة في كل شيء؟ بالطبع لا.
لكن هل كانت فاشلة في كل شيء كما يقول خصومها؟ بالطبع لا.
كانت، بكل عيوبها، أول نافذة يرى منها السودانيون طريقا مختلفا بعد ثلاثين عاما من الاستبداد والفساد والعزلة.
اتفاق نوفمبر
أكبر أخطاء حمدوك كان اتفاقه مع عبد الفتاح البرهان في نوفمبر 2021، بعد انقلاب 25 أكتوبر واعتقاله ووضعه تحت الإقامة الجبرية.
رأى حمدوك في الاتفاق محاولة لحقن الدماء، وإطلاق المعتقلين، وإنقاذ ما تبقى من الانتقال. لكن الشارع رأى فيه غطاء مدنيا للانقلاب.
وكان الشارع محقا في غضبه.
أضعف الاتفاق حمدوك، وأفقده جزءا كبيرا من رصيده، ووسع المسافة بينه وبين القوى التي حملته إلى رئاسة الحكومة.
لكن الخطأ في التقدير لا يساوي الخيانة.
وحين اكتشف حمدوك أن الاتفاق لن يعيد المسار المدني، استقال. لم يقبل أن يبقى واجهة دائمة للانقلاب، ولم يتمسك بالسلطة فوق دماء المتظاهرين.
أخطأ حمدوك، نعم. لكنه لم يشعل الحرب، ولم يؤسس جيشا موازيا، ولم يبن دولة داخل الدولة، ولم يرسل الشباب إلى المحارق، ولم ينهب موارد البلاد، ولم يرفع شعار “بل بس” وهو يعرف أن نهايته ستكون تمزيق السودان.
وهنا يكمن الفارق الذي تحاول حملات الشيطنة إخفاءه.
من المستفيد؟
لو كانت القضية مجرد تقييم لتجربة حمدوك، لانتهى الجدل باستقالته. لكنه استمر لأن المعركة لم تكن حول شخصه، بل حول البديل الذي يمثله.
فنجاح أي نموذج مدني، ولو جزئيا، يهدد الذين لا يستطيعون الحكم إلا بالبندقية، ويقلق الإخوان الذين يريدون استعادة دولتهم من داخل المؤسسة العسكرية.
لهذا لم يكن المطلوب نقد حمدوك، بل تحطيمه تماما، حتى لا يبقى في الوعي السوداني نموذج لقيادة مدنية تخاطب العالم، وتستعيد ثقة المؤسسات الدولية، وتقدم بديلا عن حكم الجنرالات والإسلاميين.
والطريقة نفسها استخدمت ضد قوى الحرية والتغيير.
حملت القوى المدنية وحدها أخطاء الانتقال، بينما أعفي من المسؤولية الذين احتفظوا بالسلاح والمال والقرار، وعطلوا الإصلاح الأمني والعسكري، وقاوموا تفكيك التمكين، ثم انقلبوا على الوثيقة الدستورية وأشعلوا الحرب.
لم تكن الحرية والتغيير معصومة. أخطأت في إدارة التحالف، وضعفت صلتها بالشارع، وانشغلت بعض مكوناتها بالمناصب والصراعات الداخلية.
لكن أخطاء المدنيين لا تجعل الانقلاب مشروعا، ولا تمنح مشعلي الحرب صك براءة.
لماذا يخافون “صمود”؟
تواجه “صمود” اليوم الحملة نفسها وبالمفردات ذاتها.
كل دعوة إلى وقف الحرب توصف بالخيانة. كل حديث عن التفاوض يصور انحيازا إلى أحد طرفي القتال. وكل مطالبة بجيش مهني واحد تقدم باعتبارها مؤامرة على الجيش.
ثم جاء “إعلان المبادئ” ليكشف طبيعة الخلاف الحقيقية.
السؤال ليس: من وقع الإعلان؟
السؤال: أي سودان نريد بعد الحرب؟
هل نريد دولة مواطنة لا تميز بين الناس بسبب الدين أو العرق أو الإقليم؟ هل نريد جيشا وطنيا مهنيا واحدا؟ هل نريد إنهاء تعدد الجيوش والمليشيات؟ هل نريد إخراج المؤسسة العسكرية من السياسة والاقتصاد؟ وهل نريد حكما مدنيا يقطع الطريق أمام عودة الإخوان؟
هذه ليست مؤامرة على السودان. إنها شروط بقائه.
يمكن الاختلاف مع بنود في الإعلان، أو التحفظ على بعض الموقعين عليه، أو الاعتراض على توقيته وصياغاته. لكن الوثائق تواجه بوثائق، والأفكار تناقش بأفكار، لا بالتخوين والتكفير والتحريض.
حساب المسؤوليات
دفع حمدوك ثمن محاولته إدارة انتقال تحاصره البنادق. ودفع ثمن ثقته في شراكة لم يكن طرفاها متساويين، وثمن إصلاحات اقتصادية لم تجد الوقت الكافي لتظهر نتائجها، وثمن اتفاق ظن أنه سينقذ الانتقال فإذا به يستهلك رصيده السياسي.
لكنه دفع أيضا ثمن تمسكه بالحل المدني، ورفضه العودة إلى السلطة فوق جماجم السودانيين، وإصراره بعد الحرب على بناء جبهة مدنية واسعة لإيقافها.
قد لا يكون حمدوك الزعيم الذي انتظره الجميع. وقد لا يكون سياسيا يجيد مخاطبة الشارع وإدارة التحالفات المعقدة. لكنه يبقى رئيس الوزراء الذي أعاد السودان إلى العالم، وفتح طريق إعفاء الديون، واسترد بعض احترام الدولة، وحاول أن يمنح الثورة مؤسسات بدلا من الشعارات.
إنصاف حمدوك لا يعني تقديسه، والدفاع عن القوى المدنية لا يعني إعفاءها من المحاسبة.
المسألة أبسط من ذلك: من أخطأ في إدارة الانتقال ينتقد، ومن انقلب عليه يدان، ومن أشعل الحرب يحاسب.
أما وضع المدني الأعزل في كفة واحدة مع من امتلك السلاح والمال والقرار، فليس موضوعية ولا عدالة. إنها الحيلة الأكثر خبثا لتبرئة مشعلي الحرب.
سيختلف السودانيون طويلا حول حمدوك. لكن حين تهدأ الضوضاء، ستبقى حقيقة يصعب محوها:
لم يفكك الرجل الدولة، ولم يشعل الحرب، ولم يشرد الشعب.
كل ما فعله أنه حاول، وسط حقل من الألغام، أن يقود البلاد نحو السودان الذي يحلم به أهله.
ولهذا تحديدا، لم يغفروا له.