ثقافــة

منعم حمزة .. ريشةٌ سودانية ساخرة قاومت الديكتاتورية وفضحت تناقضات الواقع

مشاوير - هشام هباني

في تاريخ الفنون السودانية الحديثة، أسماءٌ لم تتعامل مع الرسم بوصفه زينةً بصرية أو ترفًا ثقافيًا، بل جعلت منه موقفًا وشهادةً وسلاحًا في مواجهة القهر؛ ويقف الفنان منعم حمزة في مقدمة هؤلاء المبدعين، بوصفه فنانًا تشكيليًا ورسام كاريكاتير استطاع أن يحوّل الخطوط البسيطة إلى لغة نقدية نافذة، وأن يجعل من السخرية مرآةً يرى فيها المجتمع تناقضاته، ويرى فيها المستبدون صورتهم التي حاولوا طويلًا إخفاءها.

عرف الجمهور السوداني منعم حمزة منذ سنوات عبر رسومه الكاريكاتيرية التي تناولت الواقع السياسي والاجتماعي والرياضي. ولم تكن سخريته قائمة على الإضحاك المجرّد، بل كانت ضحكةً مشحونة بالسؤال والاحتجاج؛ تُسقط الأقنعة عن الفساد، وتكشف اختلال ميزان العدالة، وتنتصر للمواطن البسيط في مواجهة السلطة والامتياز والثراء المشبوه. وقد وصفته إحدى الصحف السودانية بأنه “رسّام الكاريكاتير الذي سخر من ديكتاتورية كاملة”، كما كان من مؤسّسي التجربة المهنية لصحيفة (مداميك) ورسّاميها، وهو وصف يلخّص جرأة مشروعه الفني وصلته الوثيقة بقضايا الحرية والكرامة الإنسانية.

ينتمي منعم حمزة إلى مدرسة الكاريكاتير التي تختصر المقال الطويل في مشهد واحد، وتضغط الخطبة السياسية في تعبير وجه أو مفارقة لاذعة. ففي أعماله لا تبدو الشخصيات منفصلة عن البيئة السودانية؛ بل تتحرك داخل واقع مألوف، بلغته الشعبية وهمومه اليومية وتناقضاته المريرة. ولذلك وصلت رسوماته إلى الناس بسهولة، لأنها لم تكن تتحدث عنهم من برجٍ ثقافي بعيد، وإنما كانت تتحدث بلسانهم ومن داخل تفاصيل حياتهم.

هشام هباني

من الصحافة السودانية إلى فضاءات المهجر

قدّم منعم حمزة للصحافة السودانية عددًا كبيرًا من الرسوم والأعمال الفنية، قبل أن يغادر السودان ويواصل تجربته الإبداعية خارج الوطن.

وقد أتاح له وجوده في قطر مساحةً جديدة للحضور والمشاركة في الفعاليات الثقافية والفنية، مع احتفاظ ريشته بروحها السودانية وارتباطها الوثيق بقضايا البلاد.

وفي عام 2014، شارك في مهرجان الدوحة العالمي للفنون، ونال جائزة الكاريكاتير العربي، وهو إنجاز يؤكّد أن تجربته تجاوزت حدود التداول المحلي ونالت تقديرًا في فضاء عربي أوسع. كما استضافه المركز الثقافي السوداني في الدوحة في فعالية خُصّصت للحديث عن تجربته الفنية ومسيرته في عالم الكاريكاتير.

ولم يتوقّف مشروعه عند الكاريكاتير السياسي وحده؛ فهو فنان تشكيلي يمتلك حسًا بصريًا وقدرةً على قراءة المجتمع وتحويل مواقفه اليومية إلى صور مكثفة. تتجاور في أعماله الفكاهة والألم، والبساطة والعمق، والحدث العابر والسؤال الوطني الكبير. فالريشة عنده ليست محايدة: إنها تقف مع الإنسان، وتفضح الاستبداد، وتقاوم اعتياد الظلم.

ريشة حاضرة في زمن الحرب

في مرحلة يتعرّض فيها السودان لحرب مدمّرة ومحاولات لطمس الذاكرة وتشويه الحقيقة، ازدادت أهمية الفن الذي يوثّق ويسائل ويحفظ صوت الضحايا. وواصل منعم حمزة حضوره عبر أعمال الكاريكاتير والكوميكس التي تتناول الحرب والسلطة والفساد وأزمات الحياة اليومية، بما فيها المسيرات والطائرات المسيّرة والضائقة المعيشية والتناقض بين الخطاب السياسي ومعاناة الناس.

وانضم في عام 2026 إلى كوكبة فناني مجلة (خرطون) الإلكترونية، التي قدّمته للجمهور بلقب (مايسترو الكاريكاتير). وهي منصّة تعمل على توثيق السودان بالفن، ومقاومة العنصرية وخطاب الكراهية، وإبقاء الذاكرة السودانية حية في مواجهة الحرب والنسيان. وقد نُشرت له عبرها أعمال متعددة تجمع بين الكاريكاتير والكوميكس والكتابة الطريفة والتعليق المصوّر على الواقع.

الفنان الذي جعل الضحكة وثيقة اتهام.

تكمن القيمة الحقيقية لتجربة منعم حمزة في أنه لم يسمح للسخرية بأن تتحوّل إلى وسيلة للهروب من المأساة؛ بل جعلها طريقًا للدخول إلى قلبها. فالضحكة في رسومه ليست نهاية الحكاية، وإنما بدايتها: نضحك أولًا من المفارقة، ثم ندرك أن وراءها ظلمًا أو فسادًا أو مأساةً تستحق المواجهة.

وقد جعلته هذه القدرة واحدًا من الأصوات البصرية المميزة في السودان؛ فالكاريكاتير لديه صحافة وفن وذاكرة ومقاومة في آن واحد. إنه يؤرّخ لعصره بخطوط قليلة، ويمنح المواطن العادي مساحةً داخل المشهد، ويثبت أن الفنان يستطيع أن يهزم رقابة السلطة حين يقول بالصورة ما تخشى الكلمات أن تقوله.

كلمة وفاء

إن تكريم منعم حمزة هو تكريم لجيل من الفنانين السودانيين الذين حملوا الوطن في ريشاتهم، ودفعوا ثمن الموقف اغترابًا وتضييقًا وقلقًا دائمًا، ومع ذلك ظلوا يرسمون كيلا ينتصر الصمت.

منعم حمزة ليس رسامًا يلاحق الأحداث فحسب؛ بل شاهدٌ بصري على عصر سوداني كامل، وفنان حوّل السخرية إلى مقاومة، والضحكة إلى وثيقة اتهام، والريشة إلى ضميرٍ حيّ لا تشتريه السلطة ولا تُسكتُه الديكتاتورية.

منعم حمزة

الاسم: منعم حمزة

المجال: الفن التشكيلي والكاريكاتير والكوميكس

الصفة الإبداعية: رسام كاريكاتير سوداني وناقد بصري للواقع السياسي والاجتماعي

من أبرز إنجازاته الموثقة: جائزة الكاريكاتير العربي في مهرجان الدوحة العالمي للفنون عام 2014.

الحضور المهني: الصحافة السودانية، تجربة «مداميك»، والظهور ضمن فناني «مجلة خرطون»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع