ليست السيئة بحد ذاتها هي التي صارت حسنة، وإنما الرحمة دخلت إلى الماضي، فأعادت ترتيب موقعه في الحاضر.
فالذي تاب وأناب حقًا قد يحمل من سقوطه ما لا يحمله القائمون على أقدامهم: يعرف الضعف فيرحم الضعفاء، ويعرف العثرة فلا يكسر المتعثّر، ويعرف ظلمة الطريق فيصبح في قلبه مصباحًا للآخرين.
كأن الله لا يمحو الصفحة السوداء فقط، بل يعيد كتابة معناها.
ثم، حين تسقط بعض الحجب، لا يعود السؤال: كيف أصل؟، لكن: ماذا فعل بي هذا الوصول؟، وهنا يجيء السر الأعجب: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها…».
علي أية حال، فإن المقصود ليس أن تصير سمعًا أو بصرًا، لكن أن تبلغ من الصدق والمحبة مقامًا تتبدّل فيه علاقتك بحواسك وجوارحك؛ فلا تسمع كل ما تستطيع سماعه، ولا ترى كل ما تستطيع رؤيته، ولا تمتد يدك إلى كل ما تقدر عليه.
هنا تدخل الحواس في الأدب، والجوارح في النور.
يصبح البصر يرى مواضع الرحمة الدقيقة، والسمع يلتقط ما وراء الأصوات من إشارات، واليد أشدّ قدرةً على التورع والإمساك، وأشدّ قدرةً على الامتناع.
وهذا أرقّ ما في القرب: أنك لا تقترب لتملك، إنما لتُملَك؛ لا لتصير شيئًا أكبر، لكن لتسقط منك أشياء كانت تحول بينك وبين حقيقتك.
ومن هنا تتعدد الطرق وتتحد الغايات؛ هذا من النوافل، وذاك من التوبة، وثالث من الصبر، ورابع من الإحسان، وخامس من الرحمة بمخلوق، وآخر من جرحٍ طال به حتى صار بابًا.
أبواب الوصول إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، لكن الذي يفتح الباب ليس كثرة الطَرق عليه، بل صدقٌ مشعّ ينبعث من داخلٍ شفيف.
وربّ خطوةٍ حسبتها منك كانت هي منه، وربّ بابٍ ظننته مغلقًا، كان يُؤخَّر فتحه حتى تنضج للحظة عبورك.
وربّ سقوطٍ حسبته نهاية، وكان الله يهيّئك به لبداية لم تكن تراها.
وقد ألمح ابن عطاء الله السكندري إلى هذا بقوله: «ربّ معصيةٍ أورثت ذلًّا وافتقارًا، خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزًّا واستكبارًا».
وقوله: «ربّما أعطاك فمنعك، وربّما منعك فأعطاك، ومتى فُتح لك باب الفهم في المنع، صار المنع عين العطاء».
فإذا التفتَّ وراءك، فلن تجد طريقًا مستقيمًا من غير تعرّج أو تعثّر أو انحناء.
ستجد، ربما، يدًا خفيةً كانت تنقلك من حالٍ إلى حال، وبوصلةً تهديك إلى سواء السبيل: