افتتحت الفنانة التشكيلية السودانية أمل بشير معرضها الفردي (جوهر الحياة) (Essence of Life) في متحف الفن الحديث بفرانكفورت بألمانيا، في 11 سبتمبر الجاري، في محطة بارزة من مسيرتها الفنية، باعتبار المعرض أول معرض فردي مؤسّسي لها، ويستمر حتى 10 يناير 2027.
تقدّم أمل في المعرض مجموعة واسعة من الأعمال الجديدة التي تجعل المرأة محوراً للتأمّل البصري والإنساني، بوصفها رمزاً للمقاومة والبقاء وصناعة الحياة.
وتستحضر من خلالها تجارب النساء في مناطق الحروب والنزوح، إلى جانب النساء في البيوت الآمنة، فيما أهدت المعرض إلى النساء في مختلف ظروفهن، مستحضرةً كذلك والدتها (حياة)، في إشارة إلى حضور الأم والمرأة بوصفهما مصدراً للذاكرة والاستمرار.
وتنظر أمل إلى المرأة باعتبارها أكثر من ضحية أو شاهدة على الحروب؛ فهي في تجربتها حامية للذاكرة، وصانعة للأمل، والعصب الذي يسند الأسرة والمجتمع في أوقات الأزمات.
ومن هذا المنظور، تتحوّل أعمال (جوهر الحياة) إلى مساحة للتعبير عن الصمود واستعادة الحياة، وربط التجربة الشخصية بالتحولات الاجتماعية والإنسانية التي خلفتها الحروب والنزوح.
تقوم لغتها البصرية على مزج المعاصر بالجذور التاريخية، مستلهمةً ملامح الجسد الأنثوي وأشكاله من الفنون والحضارات النوبية القديمة والآشورية والهندية. وتظهر النساء في عدد من أعمالها بأيدٍ وأقدام كبيرة الحجم، وهي معالجة بصرية تحمل دلالات تتصل بالعمل غير المرئي للمرأة، وقوة التحمّل والثبات والقدرة على البناء وإعادة تشكيل الحياة.

تستخدم الفنانة الأكريليك والحبر، وتطوّر في أعمالها الحالية أسلوباً قائماً على المدرسة التنقيطية، عبر بناء المساحات والوجوه والتفاصيل من نقاط دقيقة متجاورة، في عملية تتطلّب وقتاً وتأمّلاً طويلاً. وتمنح هذه التقنية أعمالها كثافة بصرية خاصة، فيما تضيف الألوان المتباينة والمضيئة إلى لوحاتها بعداً يجمع بين التعبير المعاصر والإيحاءات التاريخية والأسطورية.
وُلدت أمل بشير عام 1981 في مدينة جدّة بالمملكة العربية السعودية، ونشأت بين السعودية ومدينة بورتسودان، في بيئة متعدّدة الثقافات تركت أثراً واضحاً في تكوينها البصري. وتعود جذورها العائلية من جهة الأب إلى النوبة في دنقلا، ومن جهة الأم إلى شرق السودان، مع امتدادات عائلية إلى الهند، وهو تنوّع ثقافي انعكس في اهتمامها بالهوية والذاكرة وتعدّد المرجعيات البصرية.
درست أمل التصميم الإيضاحي والداخلي في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، كلية الخرطوم التطبيقية، قبل أن تشق طريقها في المشهد التشكيلي السوداني، وتلفت الانتباه إلى تجربتها التي بدأت في مراحلها الأولى بالأبيض والأسود. واعتمدت لسنوات على الحبر الأسود والورق، مقدّمةً أعمالاً تقوم على الخط والتفاصيل والتكوين، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى اللون وتطوّر تجربتها الحالية القائمة على الأكريليك والنقاط والألوان الزاهية.
وكان من أبرز محطاتها المبكرة معرضها الرابع في صالة (يونيفيرسال كافيه) بالخرطوم عام 2012، ثم معرضها الشخصي (كان يا ما كان) في المركز الثقافي الفرنسي بالخرطوم عام 2013. وواصلت بعد ذلك توسيع حضورها من خلال مشاركات ومعارض خارج السودان، من بينها مشاركتها في متحف الشارقة للفنون عام 2016، ومعرض (ورد الجوري) في لندن عام 2024، الذي مثّل أول معرض فردي لها في بريطانيا، ثم معرضها المستقل في نيويورك عام 2025.
وفي عام 2026، اتسع حضورها الدولي من خلال مشاركتها في معرض (ليست للفنون) في بازل بسويسرا، قبل أن تصل تجربتها إلى متحف الفن الحديث بفرانكفورت عبر معرض (جوهر الحياة)، الذي يمثل أول ظهور فردي مؤسّسي لها في متحف أوروبي.

وتُمثّل أعمال أمل بشير دولياً مؤسّسة (أديس للفن)، المتخصّصة في الفن المعاصر من القرن الإفريقي والشرق الأوسط، كما لها أعمال ضمن مقتنيات مؤسّسة بارجيل للفنون في الإمارات، بما يعكس الحضور المتنامي لتجربتها في المؤسّسات والمنصّات المعنية بالفن العربي والإفريقي المعاصر.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع