تقارير

بعد أزمة التمديد والاستقالات: نقابة الصحفيين السودانيين .. امتحان الثبات في زمن الحرب والاستقطاب

مشاوير - تقرير : مجدي علي

تواجه نقابة الصحفيين السودانيين اليوم واحدة من أكثر أزماتها تعقيداً منذ انتخاب مجلسها في أغسطس 2022، بعدما أثار قرار المجلس تمديد فترة عمله ثلاثة أشهر، بالتزامن مع اعتراض ثلاثة من أعضائه واستقالتهم، خلافات حول التمديد وموقف النقابة من التحالفات السياسية والتنظيمية.

واتسع الخلاف ليطال طبيعة الدور الذي ينبغي أن تؤديه النقابة في زمن الحرب، وحدود استقلالها عن الاصطفافات السياسية.

الأزمة الأخيرة انفجرت مع إعلان مجلس النقابة، في بيان صدر في 14 سبتمبر، تمديد فترة عمله ثلاثة أشهر، تبدأ من نهاية الأسبوع الثالث من نوفمبر 2026، مستنداً إلى المادة (28/6) من النظام الأساسي، التي تنص على استمرار المجلس، في حال وجود ظروف قاهرة تحول دون انعقاد الجمعية العمومية وانتخاب مجلس جديد، لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد إلى حين زوال الظروف.

المجلس ربط قراره بالحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وما فرضته من نزوح وتشتّت للصحفيين وصعوبات أمنية ولوجستية تحول دون عقد الجمعية العمومية حضورياً، وهي الصيغة التي يشترطها النظام الأساسي.

ويقول المجلس إنه استعان بآراء قانونية مستقلّة، بينها رأي اللجنة التسييرية لنقابة المحامين السودانيين، وأن التمديد مؤقّت، هدفه منع الفراغ المؤسّسي واستكمال الترتيبات لعقد جمعية عمومية شاملة.

لكن القرار فجّر خلافاً داخل المجلس نفسه، فقد أعلن أعضاؤه خالد فتحي ومشاعر دراج وسارة تاج السر استقالتهم، معتبرين أن استمرارهم لم يعد ممكناً بالصورة التي تنسجم مع قناعاتهم المهنية والنقابية. وكان جوهر اعتراضهم أن الجمعية العمومية هي صاحبة الاختصاص في تقرير مستقبل المجلس، وأن محاولاتهم لإعادة القرار إليها لم تنجح، رغم حرصهم، بحسب موقفهم، على تجنّب انقسام داخل النقابة.

وتداخل مع خلاف التمديد نزاع حول صياغة موقف النقابة من التحالفات، وفي مقدمتها علاقتها بتحالف صمود. ووفقاً للمستقيلين، تضمنّت المسودة الأولى عبارة “إنهاء وجود النقابة في أي تحالف سياسي”، قبل أن تستقر الصياغة النهائية على “إنهاء مشاركة النقابة ككيان مؤسّسي في التحالفات ذات الطبيعة السياسية أو التنظيمية المنخرطة في النزاع”.

ويرى المستقيلون أن “الفارق بين الصيغتين يتجاوز اللغة إلى تحديد طبيعة النقابة وحدود علاقتها بالعمل السياسي، بينما يقدّم المجلس موقفه باعتباره خطوة لتعزيز استقلال النقابة وتحصينها من الاستقطاب السياسي.

أما المجلس فيقدّم موقفه باعتباره محاولة لتحصين المؤسّسة المهنية من الاستقطاب الذي أفرزته الحرب، مع التأكيد على استمرار مواقف النقابة في الدفاع عن حرية الصحافة والحريات العامة، وإنهاء الحرب، وتحقيق السلام الشامل والعادل، والانتقال المدني الديمقراطي، والحفاظ على وحدة السودان.

وأعلن طرح ورقته السياسية للنقاش العام، إلى جانب إجراء مشاورات مع القاعدة الصحفية والفروع داخل السودان وفي بلدان الشتات.

كما أعلن تفعيل لجنة المساءلة الدائمة المنصوص عليها في ميثاق الشرف الصحفي، لمواجهة خطاب الكراهية والأخبار الكاذبة والتحريض، ما يضع النقابة أمام مسؤولية حماية أخلاقيات المهنة من دون أن تتحوّل المحاسبة إلى امتداد للاستقطاب السياسي.

هذه التطورات تجري في بيئة مهنية شديدة القسوة، دفعت الحرب خلالها صحفيين إلى القتل والاعتقال والاختفاء والنزوح وفقدان مصادر الدخل، وأجبرت مؤسّسات إعلامية على التوقّف أو الانتقال والتشتّت. وفي الوقت نفسه، لا تواجه النقابة خلافاتها من الداخل فقط؛ إذ ينازعها الاتحاد العام للصحفيين السودانيين صفة التمثيل النقابي للصحفيين. وكان الاتحاد قد حُلَّ عام 2019 ضمن قرارات إزالة التمكين، ثم عاد إلى النشاط عقب انقلاب أكتوبر 2021. وفي مايو 2026، تصاعد التنافس دولياً عندما طالب وفد من الاتحاد المحلول، خلال لقاءات مع اتحادات صحفية دولية في باريس، بإدانة اليونسكو لمنحها جائزة حرية الصحافة العالمية للنقابة، واصفاً إياها بـ”كيان غير شرعي”، ومتهماً إياها بالتماهي مع أجندة سياسية ودعم قوات الدعم السريع.

وهنا يتسع المشهد من خلاف حول إدارة المجلس إلى سؤال أوسع حول إثبات موقع المؤسّسة والحفاظ على أحقية تمثيلها للصحفيين السودانيين. وتصبح الأشهر الثلاثة التي منحها المجلس لنفسه فترة انتقال نحو جمعية عمومية حضورية وشاملة، واستكمال الترتيبات، وتوسيع المشاورات، واستعادة الثقة داخل المؤسّسة.

فالنقابة التي ولدت بعد مخاض طويل وغياب امتد لأكثر من ثلاثة عقود عن تجربة نقابية ديمقراطية للصحفيين، وأعادت إلى المهنة مؤسّسة منتخبة بإرادة قاعدتها، تمثّل مكسباً ديمقراطياً يستحق الحفاظ عليه، بما يتيح لها تجاوز خلافاتها ومواصلة الدفاع عن حقوق الصحفيين وحرياتهم المهنية، وأن تنأى بنفسها عن التحالفات السياسية والتنظيمية، مع الاحتفاظ بمواقف واضحة تجاه قضايا الحرب والسلام والديمقراطية والحريات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع