تستدعي المشاهد الرثة للخطاب الرسمي السوداني ذاكرة المبدع أبو عركي البخيت، وهي تنضح بحالة من الاستغراب المنطقية، لتجسد تلك اللحظة الذهبية التي تلخص مأساة البلاد في عبارة اختزلت الدهشة كاملة دون زيادة أو نقصان، وهي عبارة (ياداب عرفت الاندهاش).
وتتبدى هذه الحالة جليًا حين يقف وزير المالية، الدكتور جبريل إبراهيم، أوان التدهور المريع لعملة البلاد واقتصادها، ليقدم تبريرات تتجاوز البؤس التقليدي لتستقر في مساحات التناقض المطلق، ملقيًا باللائمة على تكاليف المجهود الحربي ومدخلات إعادة البناء والاستيراد بالدولار، ومحتفيًا بتوفير معينات العودة للخرطوم وتكلفة إرجاع الكهرباء، ليختم مفارقته للمنطق الواقعي بقاطرة متداعية مفادها أن (الأمور ماشه)، بالرغم من الاعتماد الكامل على التمويل بالعجز، وكأن إدارة اقتصاد دولة في مهب الريح أصبحت مجرد محاولة للتعايش مع المجهول وتأجيل الانهيار الشامل.
تكمن مفارقة المشهد في استدعاء التصريحات القديمة للوزير نفسه، يوم أن أعلن بوضوح لا لبس فيه أنه سيترجل عن منصبه ويكف عن إهدار الوقت إذا ما فشل في فك طلاسم الأزمة الاقتصادية وتوقف عن تقديم الحلول الناجعة، ليقف اليوم معترفًا بالبطالة التنفيذية والعجز الهيكلي، بل وممارسًا للتمويل بالعجز الذي يلتهم ما تبقى من القيمة الشرائية للجنيه السوداني، دون أن يحرك فيه هذا الاعتراف ساكنًا للاستقالة أو مغادرة المقعد الرسمي.
ويتسع خط الذهول حين نرى الوزير يرتدي البزة العسكرية، ملوحًا بإصراره على مواصلة خيار الحرب، غير مبالٍ بالتبعات التي وصلت حتى إلى دائرة حراسته الخاصة التي يسقط أفرادها إنهاكًا وجوعًا في اللقاءات الرسمية، ناهيك عن تجاهل التبعات الجسيمة للعقوبات الدولية المترتبة على السياسات الراهنة والشبهات المعقدة التي تحيط بصفقات ومواقف تحرم السودان من مقعده المستحق في المحافل الدولية.
إن الأزمة الاقتصادية تتطلب حلولًا جذرية، وتبدأ من نقطة معلومة للجميع تتجسد في إيقاف نزيف الحرب وتحقيق السلام والتفرغ الحقيقي لإعادة الإعمار والإنتاج، إلا أن الرؤية الحكومية الممثلة في وزارة المالية تتجاهل هذه البديهيات ومآسي النزوح والفقر ونذر المجاعة التي تطرق أبواب مشروع الجزيرة والولايات المختلفة، لتذهب مباشرة نحو الحلول الأسهل والأكثر إيلامًا للمواطن المنهك.
فبدلًا من وقف نزيف الموارد ونفقات الصراع، تُطرح زيادة الدولار الجمركي ورفع أسعار الوقود وفرض مزيد من الجبايات كحلول وحيدة، ليصبح المواطن المغلوب على أمره هو الممول الأساسي للحرب وللعجز الحكومي في آن واحد، في متتالية عاكسة لإصرار غريب على مفارقة المنطق والواقع، ولا تترك لمن يتابع هذا العبث السياسي والاقتصادي سوى الاستسلام لترديد مقطع أبو عركي البخيت بذات الحرقة والذهول.