اتسع نطاق القطع الجائر للأشجار وإزالة الغابات في السودان خلال فترة الحرب المندلعة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ 41 شهراً، بصورة كبيرة لتشمل إقليم دارفور غرب السودان، مما أدى إلى تدهور الوضع البيئي وفقدان خصوبة الأراضي الزراعية والمراعي الطبيعية للماشية، فضلاً عن زيادة مساحات الجفاف.
ولجأ كثر من المواطنين في ظل نقص غاز الطهي إلى استخدام الحطب وقوداً للطهي، إلى جانب رواج تجارة الفحم النباتي، وهو ما أسهم في زيادة الجفاف والزحف الصحراوي وتعرية التربة وتفككها ونقلها بفعل الرياح، إضافة إلى فقدان التنوع الحيوي واختفاء عدد من الحيوانات النادرة.
نقص وطلب
يقول آدم عيسى أحد سكان مدينة الضعين شرق دارفور إن “نقص غاز الطهي في إقليم دارفور بسبب استمرار الصراع المسلح جعل السكان في مواجهة مشكلة كبيرة في الحصول على الغاز، لجهة تعطيل طرق التجارة وتوقف الموردين في المناطق التي تسيطر عليها ’الدعم السريع‘، إذ لا تزال بعض الواردات المهربة تصل دارفور عبر تشاد وجنوب السودان، لكنها باهظة الثمن وتفوق القدرة الشرائية”.
وأضاف أن “أجزاء واسعة من ولايات دارفور الخمس تفتقر إلى الإمداد الكهربائي والوقود، مما جعل الاحتطاب بديلاً للطهي، بالتالي ارتفع الطلب على الفحم، مما أدى إلى أن يصبح قطع الأشجار تجارة رائجة وتحظى إقبالاً من مروجي تجارة الفحم”.
وأشار عيسى إلى أن “المواطنين ليست أمامهم خيارات بديلة في إعداد الوجبات، مما جعل اعتمادهم على الفحم أو الحطب بصورة كبيرة، وعلى رغم أن ولاية شرق دارفور لم تشهد كثيراً من القتال المباشر بين الأطراف المتحاربة، إلا أنها استقبلت آلاف النازحين بسبب الحرب في أماكن أخرى في دارفور وكردفان”.

تأثيرات كارثية
في السياق، أكدت المهندسة الزراعية مروة بشير أن “إزالة الغطاء الشجري لم يقتصر على القطع الجائر، بل ما أصاب الأشجار في أجزاء واسعة من دارفور التي تعرضت للجفاف الكامل أو الجزئي نتيجة العمليات العسكرية، وما طاولها من قصف وقذائف ملتهبة، وبخاصة في مدينتي نيالا والفاشر، مما أسهم في حرق الغطاء الشجري، فضلاً عن انبعاث الغازات الناتجة من الذخائر وانفجار الألغام التي تعد من أقوى الأسباب التي أدت إلى موت الأشجار”.
وأوضحت بشير أن “إقليم دارفور يتميز بغابات كثيفة، حيث يضم جنوبه غابة كندورة، إلا أنها تلاشت بفعل القطع الجائر للأشجار بعد إنشاء المخيمات، فلجأ النازحون إلى قطع الأشجار بصورة واسعة، لا سيما أن مثل هذه الأعمال لها تأثير كارثي على البيئة وتتسبب في ارتفاع درجات الحرارة وقلة الأمطار والتصحر، بينما أصبحت المساحات الخضراء تشهد تدهوراً كبيراً في الغطاء النباتي بعدما أسهمت الحرب في فقدان مصادر الدخل ووسائل الإنتاج وتوقف المصانع وانعدام الغاز، وعاد الاعتماد على الفحم والحطب للطهي والتجارة”.
وزادت المتحدثة “كذلك القطع طاول وسط دارفور التي فقدت غاباتها الواقعة شمال مدينة زالنجي، وكانت تضم أنواعاً متعددة من الأشجار المعمرة، إلا أن عدم تطبيق القانون أسهم في اختفائها بصورة لافتة، إذ لم يتوقف القطع العشوائي عند حدود إقليم دارفور، وإنما امتد إلى ولايات القضارف وكسلا والنيل الأبيض وكردفان بسبب تمدد معسكرات النزوح، وقد تزيد الحرب المستمرة تدفقات النازحين أكثر مما شهده السودان، ومن المؤكد أن تؤدي إلى انحسار الغطاء النباتي بالكامل”.
ونوهت إلى أن “التهريب لعب دوراً بارزاً في انحسار الغطاء الشجري، وبخاصة أشجار الهشاب بسبب تصديره إلى أفريقيا الوسطى، على رغم أنها لا تمتلك أشجاراً للهشاب، وأن صادراتها تعتمد على الهشاب القادم من غرب السودان، نظراً إلى مجاورتها ولاية وسط دارفور”.
ولفتت المهندسة الزراعية إلى أن “الحل يكمن في إنهاء الحرب والاستجابة للظروف الإنسانية المتلاحقة التي يعيشها السودانيون بعدما وصلت أجزاء عدة من البلاد إلى حافة المجاعة، وحتى لا تتسبب في إزالة الغطاء النباتي بصورة تامة، وما يترتب عليه من آثار كارثية على البيئة”.
أساس الحياة
في المنحى ذاته، أوضح المتخصص في شؤون البيئة بشرى حامد أن “قطع الأشجار في السودان أصبحت له تأثيرات مباشرة على الإنسان والحيوان والبيئة، لا سيما أن الطبيعة في دارفور تمثل أساس الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمواطن. والمعروف أن الإقليم يعد ثاني أكبر مصدر للثروة الحيوانية في البلاد، وهي تعتمد بصورة أساس على توفير المياه والبيئة المناسبة.
وأشار بشرى إلى أن “حزام الصمغ العربي في دارفور يشغل مساحة واسعة من دون أن تبذل الدولة جهداً لتطويره والاستفادة منه في دعم المجتمعات المحلية المنتجة وتحسين دخولها من إنتاجه، على رغم أن الأشجار والغابات والمياه هي معادلة الحياة بالنسبة إلى إنسان هذا الإقليم”.
وبين أن “المشكلات الأمنية والتوترات في الإقليم زادت من العوامل المؤثرة في البيئة خصوصاً الزحف الصحراوي والجفاف”.
واستدرك قائلاً “هناك فجوة يستغلها البعض في أن قطع الأشجار في ظل الحرب لا يستدعي المحاسبة بسبب عدم نفاذ القانون، لجهة أن الاستراتيجيات التي وضعت لمكافحة ظاهرة قطع الأشجار لم تنفذ بالطريقة المطلوب، بينما دفع النزوح الداخلي من منطقة إلى أخرى بعض النازحين التوغل في مناطق الغابات وقطع الأشجار لتوفير حاجات أسرهم المعيشية في ظل غياب مصادر بديلة للدخل”.
ولفت بشرى إلى أن “بعض الأشخاص فقدوا أموالهم بسبب الحرب، لكنهم حققوا أموالاً مضاعفة من قطع الأشجار، وكان ثراؤهم الفاحش مقابل تدمير حياة ملايين الأفراد بعيداً من رقابة ومحاسبة السلطات”.
وحذر من “ارتفاع درجات الحرارة التي لم تعد مسألة موقتة، بل ظاهرة مستدامة ما لم يُستعاد الغطاء النباتي الذي يؤدي دوراً مهماً في تثبيت التربة، وأن قطع الأشجار يعرضها للتعرية ونقلها بفعل الرياح، مما يسهم في تفكيكها، فضلاً عن فقدان التنوع الحيوي فيها الذي يعد عنصراً أساساً للحياة، إذ إن القطع العشوائي للأشجار وإزالة الغابات يهددان هذا التنوع ويؤديان إلى إخفاء عدد من الحيوانات، بيد أن وجود إنسان في أي بيئة يجب أن يكون قائماً على التوازن وعدم الاعتداء على الموارد الطبيعية، بما يفوق قدرة البيئة على التجدد”.
ونبه المتخصص في شؤون البيئة إلى أن “بعض المجتمعات بدأت بالفعل تشعر بالتدهور البيئي بعدما أصبحت آثاره واضحة على حياتها، إذ إن المكاسب الناتجة من قطع الأشجار وتحويلها إلى تجارة، لا يمكن مقارنتها بالخسائر التي تلحق بالمجتمع والحياة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة”.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع