تقارير

نقص التمويل يعمق معاناة المنظومة الصحية في السودان

مشاوير - تقرير : إشراقة علي عبد الله

في وقت أفرزت الحرب المندلعة في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات “الدعم السريع” أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، لناحية أن أكثر من 33 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات طبية في أنحاء متفرقة من البلاد، أكدت منظمة “أطباء بلا حدود” أن تراجع التمويل الدولي وإغلاق عشرات المرافق الصحية تسببا في تزايد الضغوط على هذه المرافق التي لا تزال تعمل في تقديم الرعاية المنقذة للحياة.

في الأثناء، تواجه خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية في السودان عجزاً كبيراً، إذ لم تمول إلا بنسبة 41 في المئة من أصل 2.86 مليار دولار، مما يجعل ملايين السودانيين في خطر.

صعوبات بالغة

وأوضحت منظمة “أطباء بلا حدود” في أحدث بيان لها أن السودان يشهد صعوبات بالغة في الحصول على الرعاية الصحية، إذ لم تتمكن عديد من الجهات العاملة في القطاع الصحي من تأمين مصادر تمويل بديلة بعد تخفيضات واسعة النطاق في تمويل المساعدات الدولية من قبل الحكومات.

وأشارت المنظمة إلى أن انسحاب منظمات الإغاثة في أجزاء واسعة، وبخاصة داخل معسكرات الإيواء، تركت العيادات من دون أموال أو أدوية، وهو ما يعني بالنسبة إلى المرضى رحلات طويلة وخطرة للبحث عن العلاج. وأكدت أن عدد حالات الدخول إلى المرافق التي تدعمها منظمة “أطباء بلا حدود” في زالنجي وسط دارفور، قفز في يناير وأبريل 2026، إلى نسبة 22.5 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

ولفتت المنظمة إلى أن الوضع قد يتدهور أكثر من ذلك، لا سيما أن 45 مركزاً للرعاية الصحية العامة في وسط دارفور توقف خلال مايو المنصرم، بسبب أن المنظمة التي كانت تقدم الموارد افتقرت إلى التمويل، داعية المجتمع الدولي إلى حماية تمويل الخدمات الصحية الأساسية واتخاذ تدابير عاجلة للحيلولة دون مزيد من تدهور الخدمات الصحية في السودان، في ظل تراجع المساعدات الدولية بنسبة 21.3 في المئة خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

أزمة حادة

في السياق، قال محمد إبراهيم، رئيس منظمة “أطباء بلا حدود” في السودان، إن “الحرب التي لا تزال مستمرة في البلاد تسببت في تخفيضات التمويل وتقليص الاستجابة، وهي التي تحدد احتياجات البلاد، لا سيما أن وقف التمويل يؤدي إلى إغلاق العيادات، ويصبح لدى المرضى أماكن أقل للذهاب إليها، ومن ثم ينتقل الضغط إلى المرافق التي تعمل”.

وأضاف إبراهيم أن “سحب الدعم من أزمة تعاني أصلاً نقصاً مزمناً في التمويل يقطع الرعاية المنقذة للحياة، ويهدد ما تبقى من المستشفيات وصولاً إلى نقطة الانهيار، فعلى سبيل المثال أصبح مركز الحميدية للنازحين في وسط دارفور، الذي يقدم رعاية الأمومة وطب الأطفال والدعم النفسي، يعمل بطاقة محدودة للغاية بعدما أوقفت منظمة إنسانية دعمها له، وتراجع عدد زيارات المرضى اليومية من 200 إلى نحو 40 ليس بسبب تحسن صحتهم، بل لأن المركز لم يعد بإمكانه تقديم العلاجات والأدوية لهم، فضلاً عن توقف التطعيم تماماً”.

وأشار إلى أن “الفجوات الحرجة في الرعاية الصحية لا تزال تلقي بظلالها على 600 نازح في طويلة شمال دارفور، على رغم وجود 50 منظمة غير حكومية في المنطقة، وتعد منظمة “أطباء بلا حدود” هي المنظمة الوحيدة القادرة على إطلاق استجابة واسعة النطاق لأي وباء في منطقة طويلة، في وقت بدأت حالات الملاريا وسوء التغذية في الارتفاع”.

وتابع إبراهيم قائلاً “المنظمة استقبلت خلال أغسطس 191 طفلاً من دون سن الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد في المركز الاستشفائي الذي تديره في طويلة، كذلك ثبتت إصابة نحو 22 في المئة منهم بالملاريا”.

كارثة إنسانية

من جهته، أوضح النازح آدم رمضان في معسكر طويلة بشمال دارفور أن “المرضى في معسكر طويلة بسبب محدودية تلقي العلاج واعتمادهم على دعم المنظمات الدولية بصورة كبيرة، في وقت توقفت الإمدادات الإغاثية بما فيها الدواء، سيجعلان حياتهم في خطر ومعاناتهم مع الأمراض تتفاقم كلما ضاقت فرص العلاج، وبخاصة أن المعسكر يضم أعداداً كبيرة من الأطفال والنساء وكبار السن”.

وتابع رمضان “وصلت الأوضاع الإنسانية للنازحين إلى مرحلة حرجة، إذ تجدهم في حال بحث متواصل عن مصادر دخل تعينهم على شراء الطعام بعد تقليص حصص المساعدات الغذائية حتى يستطيعوا مقاومة الأمراض، ومعلوم أنه إذا لم يكن هناك غذاء فلا يمكن أن تكون هناك صحة”.

وواصل أن “النازحين في المعسكر وجدوا اهتماماً متعاظماً من قبل المنظمات الدولية بعد أحداث مدينة الفاشر وسقوطها في يد ’الدعم السريع‘، إذ وقفت إلى جانبهم من خلال زيارات حقيقية والاستماع إلى شهاداتهم، مما أسهم في تلقي المساعدات بصورة منتظمة، وتجلى ذلك من واقع توافد قوافل المنظمات الإغاثية إلى المعسكر، لكن الأخطار الأمنية والتهديدات التي لا تزال قائمة تعيق وصول الخدمات إلى أكثر من 600 ألف شخص، وهو ما يعكس سوء الأوضاع والحاجة البالغة للمساعدات الإنسانية”.

وأشار النازح إلى أنه “الآن يوجد مستشفى وحيد في المنطقة يقوم بمتابعة المرضى ومكافحة الأمراض والوبائيات، لكنه من المؤكد أن نقص التمويل وعجز المنظمات عن تقديم المساعدات الإنسانية سيؤديان إلى كارثة إنسانية داخل المعسكر”.

معاناة ووفيات

على صعيد متصل، قال مختار صديق وهو ناشط في المجال الإنساني إن الأزمة الصحية لم تقتصر على تدمير المستشفيات فقط، بل شملت انهيار المنظومة التي تمكنها من العمل. فالحرب دفعت أعداداً كبيرة من الأطباء والممرضين إلى الهجرة بحثاً عن العيش في أمان، وأدت أيضاً إلى تعطيل الإمدادات الطبية وصعوبة نقل الأدوية، فضلاً عن توقف سيارات الإسعاف بسبب نقص الوقود. في حين تسبب انقطاع الكهرباء في توقف أجهزة العناية المكثفة والمختبرات وحفظ الدم واللقاحات، وهو أمر مؤسف عرض المواطنين لأخطار جمة نتجت عنها وفيات عدة”.

ولفت إلى أن المنشآت الطبية في مناطق تشهد قتالاً متواصلاً باتت تعتمد على مبادرات المتطوعين وغرف الطوارئ، التي تعمل بإمكانات محدودة وتحت خطر القصف والاعتقال ونفاد الإمدادات، مؤكداً أن توقف عمل منظمات إنسانية عدة، كانت تقدم الخدمات الصحية في المعسكرات التي تؤوي النازحين، فاقم معاناتهم وبخاصة النساء الحوامل اللاتي يحتجن إلى عمليات قيصرية، مما اضطرهن إلى السفر في رحلات تستغرق ساعات بحثاً عن الرعاية الصحية.

وأوضح صديق أن “هناك معسكراً للنازحين في ولاية القضارف شرق البلاد كان يشهد حراكاً صحياً نتيجة وجود 35 منظمة إغاثية تقدم الخدمات كافة، بما فيها العلاجية، أما اليوم فلم يتبق منها سوى أقل من 10 منظمات، في حين يستضيف المعسكر حالياً 1000 نازح معظمهم من النساء والأطفال”.

ونوه الناشط المجتمعي إلى أن “نقص التمويل تجاوز الرعاية الصحية ليشمل حصص الغذاء وتقليص برامج الحماية، مما يؤدي إلى سحب آخر شبكات الأمان وترك النازحين واللاجئين عرضة للخطر”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع