في شأن النقابة

فيصل محمد صالح

أثارت الأحداث الأخيرة داخل نقابة الصحفيين السودانيين قلقًا وإشفاقًا لدى الكثير من أعضائها وأصدقائها، الذين خافوا على النقابة الوليدة، وعلى النموذج الذي قدمته بعد أن خرجت من حالة الغياب الطويل. وربما كان من حق هؤلاء أن يشفقوا ويقلقوا، لأن دافعهم هو الحرص على النماذج النقابية الوليدة، على قلتها، لكني ما رأيت فيما يحدث إلا أنه تمرين ديمقراطي، حتى لو كان عنيفًا بعض الشيء.

الخلافات التي حدثت ليست شيئًا جديدًا في العمل النقابي، فالجدل حول العلاقة بين النقابات والتحالفات السياسية هو جدل قديم، فيه نقاش وإرث نظري، وفيه تجارب عملية.

كانت النقابات جزءًا من جبهة الهيئات التي أسقطت نظام الفريق عبود في عام 1964، وكانت جزءًا من التجمع الوطني الديمقراطي الذي خاض النضال ضد حكومة الإنقاذ منذ عام 1989، ثم كان بعضها عضوًا في تجمع المهنيين الذي قاد الحراك الجماهيري المؤدي إلى إسقاط نظام البشير، وأخيرًا كانت شبكة الصحفيين، وهي الجسم الذي كان أشبه بنقابة الظل، عضوًا مؤسسًا في تجمع المهنيين.

سيبقى هناك أناس يؤمنون فعلًا بأن النقابة يجب ألا تنخرط في أي شأن سياسي، وآخرون يرون صعوبة الفصل بين الشأن النقابي والسياسي، خاصة لدى نقابات الرأي مثل الصحفيين والمحامين، لكن تبقى المرجعية عند الأغلبية الحاسمة من قاعدة العضوية، وهي التي تقرِّر. فإن كان الموقف السياسي لا يلقى إجماعًا، ويمكن أن يهدد وحدة الجسم النقابي، فإن من الأفضل تجنُّب ذلك، وتقديم مصلحة المحافظة على الجسم النقابي على كل اعتبار آخر.

سجَّل العمل النقابي الحقيقي غيابًا طويلًا في فترة الإنقاذ، وغابت النقابة كذلك، ولهذا فهي عادت في مرحلة فراغ وغياب لإرث العمل النقابي، مثلما غاب النقابيون القدامى.

وجاءت النقابة بعد مخاض عنيف وعمل طويل ومعقد، لم يَسِرْ في خط مستقيم، بل مر بمنحنيات كثيرة، ولهذا لا أرى بأسًا في أن نخطئ كلنا ونتعلم من بعضنا بعضًا.

لا تزال أمامنا مرحلة صعبة نتعلم فيها أسس العمل النقابي وآدابه وتجاربه وممارساته، ومن ذلك القبول بأسس الديمقراطية، ولو جاءت على عكس رغباتنا، وتمرين أنفسنا على القَبول، في النهاية، بقرار الأغلبية، وفي الوقت نفسه نحتفظ بتحفظاتنا وآرائنا.

إذا نظرنا حولنا إلى النقابات الأخرى، وظروفها ومجالات عملها.. أين هي وماذا تفعل؟ سنجد، بأمانة شديدة، أنه لا توجد نقابة تتفاعل وتعمل، وتخطئ بطبيعة الحال، مثل نقابة الصحفيين.

علينا أن نقدِّر هذا، ونقدِّر طبيعة الظروف التي تعمل فيها، وما حققته لنا حتى الآن. هذا أفضل لنا، بدلًا من أن يخرج كل طرف، بمجرد أن يختلف مع الآخرين أو لا يجد تأييدًا من بقية الأعضاء، ليسجل موقفًا هو في الأساس موقف سياسي وشخصي، على حساب وحدة النقابة ووحدة الصحفيين بشكل عام.

Exit mobile version