مقالات

البرهان وحلفاؤه .. حين تتحول يدُ الحليف إلى مقصلة

عبد الجليل سليمان

مما لا شك فيه أن المستبد يستخدم الجماعات والأفراد ليتقوى بهم إلى حين، ثم يتخلص منهم واحداً بعد الآخر، كلما استنفد دورهم أو انتهت حاجته إليهم.

بدأ البرهان بالثوار الشباب، فتخلص منهم في المذبحة الدموية المشهورة بمجزرة القيادة، في 3 يونيو 2019، بدعم من الجنجويد. ولم يكد يجف دم المعتصمين حتى غدر بشريكه السياسي؛ ففي اليوم التالي أعلن، في خطاب بثه التلفزيون الحكومي، وقف التفاوض مع مركزية قوى إعلان الحرية والتغيير وإلغاء ما سبق الاتفاق عليه بشأن الفترة الانتقالية، معلناً أن المجلس العسكري الانتقالي سيشكل حكومة تسيير أعمال لمدة تسعة أشهر تمهيداً لانتخابات عامة تحت إشراف ورقابة دولية وإقليمية.

غير أن حاجته إلى الشراكة المدنية أعادته إلى طاولة التفاوض، فانتهى الأمر إلى تشكيل حكومة انتقالية عرجاء. وما إن اقترب موعد تسلّم المدنيين رئاسة مجلس السيادة حتى انقلب على الشراكة نفسها في 25 أكتوبر 2021، مستنداً إلى فلول الإسلاميين وقوات الدعم السريع والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا والناظر ترك. فأعلن حل مجلسي السيادة والوزراء، وفرض حالة الطوارئ، وجمّد بعض مواد الوثيقة الدستورية، واعتقل الدكتور عبد الله حمدوك وعدداً من الوزراء وقادة قوى إعلان الحرية والتغيير.

وبعد إعادة حمدوك إلى منصبه، ثم استقالته في يناير 2022، ظل البرهان ممسكاً بالسلطة من دون أن يتمكن من إقامة حكومة انتقالية مستقرة. أما الشريك العسكري الذي أسهم معه في إسقاط الشراكة المدنية، فلم يلبث أن أصبح خصمه.

فحميدتي، أحد أركان انقلاب 25 أكتوبر وشريكه في السلطة، تحول إلى منافس مباشر، حتى اندلعت الحرب بين الرجلين في أبريل 2023، وكان وما زال البرهان مدعوماً بالإخوان المسلمين وقوى النظام السابق، من أجل التخلص من حليفه العسكري الأقوى، محمد حمدان حميدتي وقوات الدعم السريع.

وكان ثمن هذه المنازلة في الخرطوم فادحاً ومدمراً؛ فقد تحولت العاصمة إلى ساحة حرب، وامتد الخراب إلى أنحاء واسعة من البلاد. ومع استعادة الجيش العاصمة ووسط البلاد، جاءت مرحلة تصفية الحسابات داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

شملت القائمة عدداً من أركان الحرب والضباط المقربين منه: فأُحيل قائد الحرس الرئاسي اللواء الركن نادر المنصوري إلى التقاعد، وأُبعد قائد متقدم سنار اللواء الركن ربيع عبد الله، وأُخرج قائد الفرقة 18 مشاة بالنيل الأبيض اللواء الركن سامي الطيب من موقعه، كما غادر قائد إدارة التوجيه المعنوي والإعلام اللواء الركن مأمون عبد الرؤوف، وقائد منطقة جبل الأولياء العسكرية اللواء الركن إبراهيم بخيت، وقائد دائرة الأمن العسكري ونائب رئيس هيئة الاستخبارات اللواء الركن حسن بلال مواقعهم.

ومن كبار الضباط إلى الأبواق الصغيرة، جاء الدور على طارق كجاب والحوري والسلامابي وغيرهم؛ فجرى إبعادهم واحداً تلو الآخر.

ثم ضاقت الدائرة أكثر، لتصل إلى المقربين من مركز القرار نفسه؛ فأُبعد صديقه رئيس هيئة الأركان محمد عثمان الحسين، وجُرّد رفيقه في المنشط والمكره، الكباشي، من موقعه بدرجة الإطاحة المؤجلة، كما أُقصي مدير مكتبه الفريق محمد الغالي.

ولأن الحرب لا تقوم على السلاح وحده، بل تحتاج كذلك إلى من يبررها ويروّج لها، طالت الاعتقالات والملاحقات أبواق الحرب من الصحفيين والصحفيات والإعلاميين، فاعتُقل كثيرون منهم، والحبل على الجرار.

وهكذا تتابعت مراحل التخلص من الحلفاء: من الثوار إلى الشركاء المدنيين، ومن الشراكة إلى الحليف العسكري، ومنه إلى أركان الحرب والضباط، ثم إلى الأصوات التي ساندت السلطة والحرب، وصولاً إلى الدائرة الأقرب، فالمستبد لا يحتفظ بحلفائه إلا بقدر حاجته إليهم؛ فإذا انتهت الحاجة، انتهت الحماية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع