ليس مصادفة أن يكون السودان، الذي أقام فيه الإخوان أطول تجاربهم في الحكم، هو البلد المرشح لكتابة نهاية مشروعهم. ففيه امتلكوا الدولة والجيش والأمن والمال والإعلام لأكثر من ثلاثة عقود، وفيه واجهوا شعبا أثبت أنه أكثر وعيا من أن تعيد صياغته سلطة، وأكثر شجاعة من أن تهزمه مليشيا.
قصة الإخوان في السودان ليست قصة نظام فشل في الحكم فقط، بل تجربة تنظيم احتكر الدين، واستولى على الدولة بانقلاب، وحكم بالقمع والتعذيب، واستضاف الإرهابيين، وصنع المليشيات، وانتهى مصنفا تنظيما إرهابيا.
أما القصة الأهم، فهي قصة السودانيين الذين اكتشفوا حقيقته قبل العالم، وقاوموه عندما كانت العواصم تستقبل قادته، ودفعوا من دمائهم وحرياتهم وأرزاقهم ثمن معرفة تأخر الآخرون في بلوغها.
في 9 مارس 2026، صنفت الولايات المتحدة «إخوان السودان»، المكون من الحركة الإسلامية السودانية وجناحها المسلح كتيبة البراء بن مالك، كيانا إرهابيا عالميا مصنفا بشكل خاص. وفي 16 مارس، دخل تصنيفه منظمة إرهابية أجنبية حيز التنفيذ.
كان القرار جديدا بالنسبة إلى العالم، لكنه لم يخبر السودانيين بشيء لا يعرفونه. فقد عاينوا إرهاب التنظيم في بيوت الأشباح، والمشانق والمقابر، وحروب الجنوب ودارفور، ورصاص سبتمبر وديسمبر، وفض الاعتصام، والانقلاب، ثم الحرب.
سبق الدم السوداني قوائم الإرهاب بعقود.
قبل انقلاب 30 يونيو 1989 بأربعة أعوام، وقف المفكر السوداني محمود محمد طه في مواجهة الاستبداد الديني.
كان مسلما مجددا دعا إلى الحرية والمساواة وكرامة الإنسان، وعارض قوانين سبتمبر ورفض تحويل الدين إلى سوط في يد الحاكم.
في 18 يناير 1985، أعدمه نظام جعفر نميري بتهمة الردة، وكان في السادسة والسبعين من عمره. لم تكن الحركة الإسلاموية قد استولت على الحكم بعد، لكن تيار الإسلام السياسي أسهم في صناعة المناخ الذي جعل قتل مفكر بسبب آرائه ممكنا.
وبعد أقل من ثلاثة أشهر، أسقط السودانيون نظام نميري في انتفاضة أبريل. سقط الحاكم، وبقي محمود محمد طه رمزا للاستنارة. كانت تلك رسالة مبكرة: تستطيع السلطة قتل المفكر، لكنها لا تستطيع شنق الفكرة.
في 30 يونيو 1989، انقلب عمر البشير، بتخطيط من حسن الترابي والجبهة الإسلامية القومية، على حكومة منتخبة ونظام دستوري تعددي.
لم يكن انقلابا عسكريا تقليديا، بل عملية استيلاء حزبية كاملة. دخل البشير القصر، ودخل الترابي السجن للتمويه، ثم بدأ التنظيم تفكيك السودان وإعادة تركيبه على صورته.
اعتقل السياسيين والنقابيين والصحافيين، وحل المؤسسات، وأغلق الصحف، وصادر الأموال، وفصل عشرات الآلاف من أعمالهم تحت لافتة «الصالح العام». كان الاسم إداريا، لكن الجريمة.