منوعات

مُفارِقٌ للجماعة : التجاني عبد القادر وقد مضى وحيداً

مشاوير - تقرير : مجدي علي

ليس في رحيل التجاني عبد القادر الحزين ما يلفت النظر إلى الموت وحده، فذلك سبيل الأولين والآخرين. ثمّة صورة أخرى تظل معلّقة في المشهد، رجل اختار أن يعيش سنواته الأخيرة وحيداً، مشغولاً حتى ساعاته الأخيرة بما اعتاد أن يفعله؛ يقرأ ويكتب ويفكّر.

مساء الخميس امتلأت قاعة مجمع الشيخ عبد الله الأنصاري بالمتحدّثين والحاضرين، وبقي كرسي في الصف الأول بلا صاحب.

كان الضيف الذي ينتظره المنظّمون قد أغلق هاتفه، وسبق الجميع إلى موعد آخر. وحين أقنع أحد زملائه موظّف الفندق بفتح الشقّة بالمفتاح الاحتياطي، وجدوا التجاني عبد القادر حامد جالساً أمام حاسوبه وأوراقه مبعثرة حوله، كأنّ الموت جاءه وهو في منتصف فكرة، فانتظره حتى أنهى سطره.. أو لم ينهه.

وفي تراثنا وصف قاسٍ لمن ينفصل عن قومه، يقولون “المفارق للجماعة”.

وقد فارق التجاني جماعته حقّاً منذ زمن، لكنه فارق الصف ولم يفارق السؤال. وكأنّه أعاد في رحيله الأخير شيئاً من سيرته.. ذهب وحده، كما اختار من قبل أن يمضي وحده حين صارت المسافة بين ما يؤمن به وما انتهت إليه جماعته أوسع من أن يردمها الولاء التنظيمي.

غير أن اختزال التجاني في حكايته مع الحركة الإسلامية ظلم آخر لرجل كانت السياسة جانباً من مشروعه، ابتلع في الذاكرة العامة مساحات واسعة من صورته العلمية والفكرية الجديرة بالقراءة.

من الهامش إلى المركز

من (أم دم) بشمال كردفان بدأت الحكاية.. هناك نشأ التجاني في بيئة ريفية ظلّ أثرها حاضراً في لغته ونظرته إلى الناس حتى رحل. وُلد هناك عام 1951، ثم حملته الدراسة إلى جامعة الخرطوم، فدرس الفلسفة وتخرّج بمرتبة الشرف، ونال الماجستير في فلسفة السياسة عام 1984. ومن الخرطوم مضى إلى جامعة لندن فحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية عام 1989، ثم دكتوراه أخرى في محاسبة المصارف الإسلامية من جامعة هَل البريطانية.

لكن كل هذه الشهادات لم تختصر طريقه.. فقد عبر من الفلسفة إلى السياسة، ومن السياسة إلى الاقتصاد، ومن الاقتصاد إلى الدراسات الإسلامية، وحمل إلى كل حقل السؤال نفسه.. كيف تتحوّل الفكرة إلى واقع دون أن تفقد معناها؟ ربما من هنا يُفهم انخراطه المبكر في الحركة الإسلامية جزءاً من تكوينه الفكري، لا فصلاً سياسياً عابراً.

في جامعة الخرطوم كان من قيادات الاتجاه الإسلامي، ورأس اتحاد الطلاب، واشتهر بالإقناع والمناظرة. ويذكره عمر الدقير، الذي عرفه في تلك السنوات، “خطيباً بليغاً يخاصم بلا إسفاف ويحترم عقول سامعيه”..

كانت الحركة يومها، في ذاكرة أحد أبنائها، طريقاً شاقاً وعراً لكنه نبيل وجميل، يجمعهم فيه شعار واحد هو التغيير. وقد اعترف التجاني لاحقاً بأن أبناءها جاؤوا في الغالب من الأطراف المهمّشة، وأنهم أرادوا الوصول إلى المركز لإعادة تشكيل الأحزاب والدولة، ثم انتهوا إلى أن صاروا هم المركز وبقيت الأطراف على حالها. وفي هذه المفارقة تفسير مبكّر للمسافة التي ستتسع بينه وبين التجربة.

من داخل الجماعة إلى مساءلتها

ومع اتساع تلك المسافة، لم يعد الانتماء عنده حصانة للفكرة من النقد، وظل يحمل سؤالاً طويلاً: ماذا يحدث للفكرة حين تتحوّل إلى سلطة؟ ومن هنا جاءت خصومته للتجربة الإسلامية الحاكمة في السودان، وهي في جوهرها مساءلة لتجربة ادّعت تمثيل الإسلام، لا خصومة معه. أراد أن يفهم كيف تجد حركة نشأت بشعارات الحرية والعدل والديمقراطية نفسها، بعد الوصول إلى الحكم، في مسار مختلف؟

بدأ نقده منذ منتصف التسعينيات، ثم اشتد نحو منتصف العقد التالي بمقالات كسرت عرفاً ألفه الإسلاميون: أن يتقدّم الولاء التنظيمي على السؤال.

لم يعرف التجاني المهادنة.. تحدّث بوضوح عن انحسار تلك القيم بعد انتقال الحركة من المعارضة إلى الحكم، وعن قضية الهامش والمركز، وعن عجز التجربة عن بناء نموذج متماسك للاقتصاد الإسلامي. وكان يحاول أن ينقل النقاش من الأشخاص إلى بنية التجربة، ولذلك أنصف الترابي مؤسّساً، ونبّه إلى أن الحركات لا تنضج ما دام مؤسّسوها ممسكين بها. فالنقد عنده لم يكن إلغاءً للتاريخ، بل محاولة لفهم كيف تتغير الأفكار حين تنتقل من التأسيس إلى المؤسّسة.

وحين سُئل عن الانضمام إلى كيانات إصلاحية قال قولته الشهيرة.. “لو أردنا الانضمام لما خرجنا”، وهي عبارة تختصر مسافته من التنظيم دون أن تختصر مسافته من الأسئلة التي دفعته إلى الانتماء أصلاً.

ومن هنا تتضح إحدى أهم خصاله: لم يراجع الجماعة من خارجها بعد أن غادرها، بل حمل معرفة الداخل إلى طاولة النقد. فجاء كلامه ثقيلاً على من خالفهم، ومفيداً لمن أراد فهم التجربة من قلبها.. رفض أن تتحوّل هذه المعرفة إلى قيد على ضميره. ومن هذه الزاوية تصبح عبارته “تحالف القبيلة والسوق والأمن” أكثر من عبارة سياسية عابرة. أراد بها الإمساك بتحوّل في بنية السلطة، حين تتداخل العصبية والمصلحة وأدوات القوة، فيصير التنظيم الذي كان يفترض أن يحمل الفكرة جزءاً من منظومة المصالح التي تنتقدها الفكرة نفسها. وقد ارتبط هذا التشخيص بموقفه من تجربة الإنقاذ منذ منتصف التسعينيات. فالفرق عنده جوهري بين مغادرة التنظيم ومغادرة الفكرة.. غادر الأول وبقي مشغولاً بالثانية.

عالِمٌ غلبته السياسة

وربما هنا تحديداً تظهر المفارقة الأوضح في سيرته. فالرجل الذي عُرف في المجال العام بموقفه من الإسلاميين كان في الأكاديمية يشتغل على أسئلة أوسع منهم بكثير. درّس في السودان وماليزيا والولايات المتحدة والإمارات، ثم استقر في جامعة قطر أستاذاً للفكر السياسي والدراسات الإسلامية، ورأس قسم العلوم الاجتماعية في مركز ابن خلدون، وكان جزءاً من حياة المركز البحثية في مؤتمراته وندواته ونشره. وتولى رئاسة تحرير مجلّة (تجسير) المحكّمة، التي تربط بين فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية، وكأنّ اسمها يلخص جانباً من طريقته في النظر، وصل الحقول ببعضها وتجاوز الحواجز بين التخصّصات. وظل ينتج حتى سنواته الأخيرة.

أعمال التجاني تكشف عن رجل يعصى على التصنيف: (مشكلة الفقر)، و(أصول الفكر السياسي في القرآن المكّي)، و(نزاع الإسلاميين في السودان)، و(مقدّمة في فلسفة السياسة)، إلى بحوث في النص القرآني والاجتماع السياسي وإشكالية القرآن المكّي في دراسات المستشرقين، منشورة بالعربية والإنجليزية في مجلات محكّمة. وفيها كلها كان يحاول أن يصل ما انفصل، النص بالواقع، والقيمة بالمؤسّسة، والأخلاق بالسياسة، والدين بسؤال الاجتماع. وفي كلٍّ منها كان يؤمن بأن المعرفة لا تعيش في جزر مغلقة، فلا الفقر عنده مسألة اقتصادية محضة، ولا السياسة سلطة مجرّدة، ولا النص مادة منفصلة عن الاجتماع.

ومن هذا المدخل يمكن فهم عودته إلى العهد المكّي عنده لا بوصفها عودة إلى تقسيم زمني للنص، بل إلى زمن تتشكّل فيه القيم قبل تعقيدات الدولة، إلى اللحظة التي تكون فيها الفكرة سؤالاً قبل أن تصير مؤسّسة. وهذا هو المعنى الذي يجمع تجربته السياسية بمشروعه العلمي، الفكرة تسبق الدولة، والقيمة تسبق المؤسّسة، والسؤال يسبق الإجابة. ولذلك لم يكن سياسياً يكتب في الفكر، بل مفكّراً دخل السياسة من باب السؤال، ولم يكن خروجه من التنظيم خروجاً من الفكرة التي حملته إليه، بل من صيغة رأى أنها لم تعد قادرة على حملها. لم تكن مفارقته للجماعة مفارقة للعدل ولا للدين، بل مفارقة بين الفكرة سؤالاً مفتوحاً والفكرة إجابة مغلقة لا تقبل أن تُسأل.

سمتٌ يعرفه مجايلوه

ولأن الأفكار لا تكشف الإنسان كله، تبقى شهادات من عرفوه جزءاً آخر من صورته. فقد أشار الدقير في شهادته بعد الرحيل إلى ثباته على ما يراه حقاً دون أن يحوّل الخلاف إلى خصومة شخصية، وكتب آخرون عن علمه وخلقه وتواضعه وزهده في الأضواء رغم مكانته. وتتكرّر في شهادات المقربين الإشارة إلى عمق تفكيره وهدوء طبعه وقدرته على الجمع بين المعرفة الإسلامية والنظر العقلي وأسئلة العصر.

فبعض العلماء يُذكرون بما كتبوا، وبعضهم بما علّموا، وقلّة بما كانوا عليه وهم يفعلون ذلك، وكان التجاني من هذه القلّة، عالماً لم تثقله معرفته على الناس، ولم يحتج إلى التعالي ليؤكّد مكانته. وهذه طريقة في الكلام والاختلاف لا تدونها الفهارس، لكنها تبقى في ذاكرة من جلسوا إليه.

ما بقي على المكتب

في سنواته الأخيرة، عاش التجاني بعيداً عن أسرته التي كانت في أمريكا، وحيداً في شقته بالدوحة، وقد اختار هذه العزلة لتكون جزءاً من حياته وعمله. كان يخرج إلى الناس ثم يعود إلى عزلته ليقرأ ويكتب ويفكّر. وحتى أيامه الأخيرة ظل مشغولاً بكتاب جديد عنوانه (قراءات في السياسة السودانية المعاصرة.. السقوط والثورة والحرب)، وكان يرتب مع صديقه د.أبو بكر محمد أحمد إبراهيم لطباعته، كما كان مقرّراً أن يشارك في اللقاء الذي انتظره الحاضرون، قبل أن ينقطع الاتصال به.

بعيداً عن الضجيج الذي لازم السياسة السودانية عقوداً، جاء رحيله هادئاً؛ لا على منصّة ولا في مؤتمر ولا وسط جماعة تحتشد حوله، وإنما أمام حاسوبه وأوراقه، في المكان الذي ظل يعود إليه كلما أراد أن يقرأ ويكتب ويفكّر. وكأن آخر ما تركه وراءه كان السؤال نفسه الذي رافقه طوال حياته، مفتوحاً على ما بعده. وشُيّع جثمانه يوم الجمعة إلى مقابر مسيمير بالدوحة، في جمع غفير من محبيه وتلاميذه وأبناء بلده.

رحل التجاني، لكن الأسئلة التي عاش من أجلها لم ترحل: ماذا يحدث حين تنفصل السياسة عن الأخلاق؟ وحين يصير التنظيم غاية بعد أن كان وسيلة؟ وكيف تبقى الفكرة الدينية حية دون أن تنقلب سلطة مغلقة؟ وأين يقف المثقف حين لا تعود الجماعة التي أحبها تشبه الفكرة التي انضم إليها؟ بدأ من الجماعة ثم اختلف معها، واقترب من السياسة ثم جعل الفكر أوسع منها، وحمل مرجعيته الإسلامية ولم يدعها تمنع السؤال، وامتلك معرفة الداخل ولم يتخذها ذريعة للصمت. وحين جاءه الموت كان وحده، لكن الوحدة التي أنهت حياته ليست التي تختصر سيرته؛ فقد ترك طلاباً وكتباً وأسئلة وخصوماً وقراء وأصدقاء، ونموذجاً لمفكر لم يعدّ الاختلاف خيانة ولا الانتماء بديلاً عن الضمير.

فبعض الناس يولدون داخل الجماعة ويكبرون فيها، ثم يكتشفون أن الطريق إلى الفكرة التي آمنوا بها قد يمرّ، في لحظة ما، خارجها. واختار التجاني ذلك الطريق، وترك لنا المهمة الأصعب، أن نقرأه خارج الخصومة، ونردّه من السياسي الذي اختلف مع الإسلاميين إلى مكانه الأوسع، عالماً ومفكّراً سودانياً بحث طوال حياته عن المعنى الذي يجعل السياسة جديرة بالإنسان. رحم الله التجاني عبد القادر، وغفر له، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وجعل ما خلّفه من علم وفكر وأسئلة نافعة في ميزان حسناته، وأنزله منازل الصالحين، وألهم أسرته وطلابه ومحبيه الصبر والسلوان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع