تحت قبضة أمراء الحرب السودان : اقتصادٌ يموّل موته تحت مجدِ البندقية
عبد الجليل سليمان
يدخل الاقتصاد السوداني مرحلة أشد قسوة، مع تآكل الإنتاج والعملات والأسواق وتراجع قدرة الدولة على تمويل خدماتها الأساسية. وبعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، لم تعد الأزمة الاقتصادية منفصلة عن المأزق السياسي والعسكري؛ فاستمرار القتال وتعدد مراكز السلطة والخلاف حول مسارات التسوية يُضيّق مساحة أي معالجة اقتصادية مستقرة. وتشير أحدث البيانات إلى اقتصاد فقد جزءًا كبيرًا من قدرته على الإنتاج والإنفاق، فيما تتسع كلفة الأزمة على السكان.
اقتصاد معطل
أصابت شظايا الحرب مراكز النشاط الاقتصادي الرئيسية، وفي مقدمتها العاصمة الخرطوم، التي كانت تمثل – قبل الحرب – المركز الإداري والمصرفي والصناعي الاول وربما الأوحد في البلاد. وانكمش الناتج الحقيقي إلى 29.4% في عام 2023 و إلى 14% في 2024، في واحدة من أشد الانكماشات الاقتصادية المسجلة في العالم خلال الخمس سنوات الأخيرة. وقدّر البنك الدولي نموًا بنحو 3.1% في 2025، لكنه جاء من قاعدة منخفضة للغاية ولا يعني عودة الاقتصاد إلى مستواه السابق.
وتظهر الضربة الاقتصادية القاضية بشكل جليّ في الزراعة؛ فقد قدرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة لأمم المتحدة (الفاو)إنتاج الحبوب في 2025 بنحو 5.2 مليون طن، بانخفاض 22% عن 2024 و19% عن متوسط السنوات الخمس السابقة. كما أدّى النزوح ونهب المدخلات ونقصها إلى تعطيل سلاسل الإمداد الزراعية.
نقد متآكل
ظل الجنيه السوداني أحد أوضح مؤشرات التدهور. فقد أدّى تقلص الإنتاج والصادرات ونقص النقد الأجنبي إلى إضعاف العملة ورفع كلفة الواردات.
لكن الأزمة تجاوزت سعر الصرف إلى بنية النظام النقدي نفسه. ففي يونيو 2026 أفادت وكالة( رويترز ) بأن أوراقًا نقدية جديدة وضعت في حيّز التداول في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، بينما رفضت السلطات القائمة في بورتسودان التعامل بها، في تطور ٍ عمّق الانقسام النقدي. كما تجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، مقارنة بأقل من 600 جنيه قبل الحرب.
دولة متآكلة
أنتج النزاع انقسامًا اقتصاديًا يوازي الانقسام العسكري والسياسي. فالمؤسسات الحكومية التي انتقلت إلى بورتسودان لم تستعد قدرتها السابقة على إدارة اقتصاد وطني موحد، بينما بقيت مناطق واسعة خارج السيطرة الفعلية للمركز.
وانهارت الإيرادات الحكومية من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% في 2024–2025، ما قيد قدرة الدولة على تمويل الخدمات والاستثمار العام. كما أدى تعدد مراكز النفوذ إلى جعل حركة الإيرادات والتجارة والأموال أقل ارتباطًا بنظام مالي وطني واحد، وفقاً لتقارير حديثة صادرة عن البنك الدولي.
سلطة معطلة
لا ينفصل التدهور الاقتصادي عن الأزمة السياسية والعسكرية. فاستمرار المواجهة يستهلك الموارد ويؤخر إعادة بناء المؤسسات، بينما يظل الخلاف حول ترتيبات السلطة ومسارات التسوية عائقًا أمام استقرار طويل الأجل.
وفي 16 سبتمبر 2026، نقلت رويترز عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دعوته إلى مساءلة الدول التي تمد الأطراف المتحاربة بالسلاح، فيما قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إن الدعم العسكري الخارجي، بما يشمل الأسلحة والتكنولوجيا والأفراد والمساندة اللوجستية، مكّن الأطراف من تكثيف الهجمات.
ذهب سائل
مع تراجع القطاعات التقليدية، أصبح الذهب موردًا مهمًا للسيولة والدخل، لكن جزءًا معتبرًا من التعدين يتم في بيئات غير رسمية وضعيفة الرقابة، ما يحد من قدرة الدولة على تحويل العائدات إلى إيرادات عامة مستقرة.
وفي 16 سبتمبر، قُتل 60 شخصًا على الأقل في انهيار منجم للذهب في غرب كردفان، وفق مصدرين محليين نقلت عنهما رويترز، في حادث يسلط الضوء على مخاطر التعدين غير المنظم.
زراعة منهكة
تلقى القطاع الزراعي ضربة مزدوجة من الحرب والظروف المناخية. فقد عطلت المعارك والنزوح الزراعة والحصاد والنقل، ورفعت كلفة المدخلات والوقود، بينما زاد ضعف الإنتاج الضغط على الإمدادات الغذائية.
ويواجه الآن نحو 19.5 مليون شخص مستويات من الأزمة أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بما يعني أنهم يتعرضون للمجاعة. و وفق أحدث بيانات صادرة عن برنامج الأغذية العالمي التابع لأمم المتحدة؛ يواجه نحو 825 ألف طفل دون الخامسة خطر سوء التغذية الحاد الشديد خلال 2026.
فاتورة باهظة
تجاوزت كلفة الحرب تدمير المنشآت والبنية التحتية الضعيفة في أصولها، إلى الإنتاج والإنتاجية ورأس المال البشري. فقد بلغ عدد النازحين جراء الحرب أكثر من 14 مليون شخص، وفق أحدث تقديرات أممية، فيما انخفضت في الوقت نفسه ميزانية برنامج الأغذية العالمي للسودان إلى نحو 206 ملايين دولار في 2026، مقابل 645 مليونًا في العام السابق، ويحتاج البرنامج إلى قرابة 300 مليون دولار إضافية لمواصلة عملياته الحالية.
أفق هش
لن يكون وقف القتال وحده كافيًا لإعادة الاقتصاد إلى مساره. فالمصارف والإيرادات والبنية التحتية والزراعة والتجارة تحتاج إلى إعادة بناء، فيما تتطلب استعادة السوق الوطنية مؤسسات قادرة على العمل عبر البلاد.
وتقدّر أحدث بيانات البنك الدولي ارتفاع الفقر المدقع من 48% في 2023 إلى نحو 59% في 2025. ومع استمرار النزاع، تتسع الفجوة بين الموارد التي يملكها السودان وقدرته على تحويلها إلى إنتاج ودخل وخدمات.