المقايضة الصعبة!!

أشرف عبد العزيز

يكتسب اللقاء الثلاثي في القاهرة أبعاداً جيو-سياسية أكثر عمقاً عند تحليله في ضوء تصريحات مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، والتي اتسمت بالصراحة الدبلوماسية والقسوة التكتيكية.

يقع هذا اللقاء في نقطة تقاطع بين استراتيجية واشنطن المزدوجة المعتمدة على العصا والجزرة، ورغبة القاهرة الصريحة في استنساخ نموذج إدارتها المتقنة لأزمة غزة وتطبيقه بصورة عملية على الملف السوداني المعقد. وتكمن الأهمية الدبلوماسية الاستثنائية لهذا الحدث في أنه يمثل المرة الأولى التي يلتقي فيها وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم رسمياً بمسعد بولس، مما يضفي بعداً جديداً كلياً على مستوى التواصل المباشر بين واشنطن والسلطة السودانية.

تتجلى الدبلوماسية الأمريكية في هذا الاجتماع من خلال ممارسة ضغوط متوازنة وموجهة عبر مسارين متوازيين. تتمثل العصا الأمريكية في التصريحات الحادة التي حرص بولس خلالها على سلب الشرعية السياسية المطلقة عن السلطة في بورتسودان عبر إسباغ وصف سلطة أمر واقع عليها، مع التلميح الدائم بورقة العقوبات وحظر السلاح لتجريد المؤسسة العسكرية من مساحة المناورة وإجبارها على تقديم تنازلات.

وفي المقابل، تظهر الجزرة الأمريكية في جوهر هذا اللقاء التاريخي؛ إذ إن جلوس كبار المسؤولين الأمريكيين رسمياً ولأول مرة في اجتماع مع وزير الخارجية السوداني يمنح الخرطوم اعترافاً واقعياً بكونها الفاعل الرئيسي القادر على تنفيذ الاتفاقات على الأرض، وتفتح من خلاله واشنطن نافذة لبناء مسارات هدنة إنسانية تتيح للطرفين تعاطياً سياسياً يمنع سيناريو الانهيار المباشر للدولة.

من جانبها، تعمل مصر وفق هندسة إقليمية تجعل من تجربة الوساطة في غزة نموذجاً يُقتدى به لإدارة الملف السوداني. فمثلما أثبتت القاهرة أنها المركز الإجباري والطرف الإقليمي الوحيد القادر على الجمع بين الأطراف المتصارعة والإدارة الأمريكية في ملف غزة، جاءت رعايتها لهذا الجلسة الأولى والفريدة من نوعها بين الوزير السوداني والمسؤول الأمريكي لتؤكد لواشنطن أن أي مسار أمريكي للحل في السودان يستحيل تفعيله من دون مظلة وتنسيق مصري مباشر.

كما تستنسخ مصر تكتيكها في إدارة الأزمات عبر فرض هدن إنسانية متدرجة تتوسع شيئاً فشيئاً لتفتح مساراً سياسياً شاملاً، مع التمسك بشرعية المؤسسات الوطنية والخط الأحمر المتمثل في منع انهيار الجيش السوداني، باعتبار أن تفكك الدولة يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري والمنطقة برمتها.

أظهر هذا التحرك أن الأطراف الثلاثة في حاجة ماسة لبعضها البعض رغم تباين الخطابات السياسية؛ فواشنطن تدرك تماماً أن لغة الضغط والعقوبات منفردة لن تجبر السلطة على التنازل بدون فتح منفذ دبلوماسي مباشر ترعاه القاهرة، فيما تبدي الخرطوم مرونة في استيعاب التوصيفات الأمريكية القاسية لقاء المكسب الاستراتيجي المتمثل في كسر الجمود والجلوس رسمياً ولأول مرة على طاولة التفاوض المباشر مع مستشار الرئيس الأمريكي للحد من فرض حلول قسرية.

وفي خضم ذلك، تضمن مصر بقاء مفاتيح الحل الاستراتيجي في يدها، بما يحفظ وحدة السودان ويضمن صون مؤسساته الرسمية في ترتيبات المستقبل.

Exit mobile version