نشرت مجلة «فورين بوليسي» المتخصصة في السياسة الدولية، قبل أيام، مقالًا للفريق عبد الفتاح البرهان حول الأوضاع في السودان وكيفية تجاوزها. قرأت ملاحظات في وسائل التواصل الاجتماعي حول الخطاب وكاتبه، وهو جدل هامشي؛ فالرؤساء عادةً لديهم من يكتبون لهم، وهذه وظيفة معروفة في كل الدول، لكن المهم أن الأفكار الواردة تعبّر عن المسؤول في الدولة، وبالتالي فالمهم هو مناقشة الأفكار.
الرسالة موجهة للعالَم، وأظن أنها كُتبت بافتراض أن العالم لا يعرف بالضبط ما يدور في السودان وكيفية إنهاء الحرب والخروج بالبلاد إلى بر الأمان. وهي بالضرورة غير موجهة للداخل، ببساطة لأنها تتناقض مع ما يتم إعلانه على لسان البرهان نفسه في كل خطاباته بالداخل. هذا أول الأخطاء المنهجية؛ فالعالم يعرف ويتابع ما يحدث بالداخل، كما أن الناس في الداخل تعرف وتتابع ما يُكتب وما يُقال في الخارج، وبالتالي فإن التناقضات تظهر وتحدث خسائر في الداخل والخارج.
طرح البرهان نفسه رجلَ سلام، ولا بأس أن يفعل، إن كان الفعلُ سيصدّق القول، ودعا إلى وضع نهاية لهذه الحرب، “والانتقال لحكم يشارك فيه المدنيون وبإشراف الأمم المتحدة ومساعدتها، وسيجري إبعاد المقاتلين والأسلحة عن المناطق المدنية، بما يفتح مسارًا واسعًا للتسوية… إلخ”. هنا تظهر عشرات التناقضات، وكثير من المواقف التي ظل يرفضها بالداخل ويثير بها العامة، مثل التدخل الدولي ودور الأمم المتحدة، وإبعاد المقاتلين من المناطق المدنية”.. وهذا بالطبع يشمل الجميع، حتى الجيش والميليشيات المتحالفة معه.
وبالطبع، فقد أبقى البرهان ثغرة لبقائه في السلطة عندما تحدث عن مشاركة المدنيين، ولم يقل من هم الشركاء الآخرون.
ملاحظة أخرى تظهر في استخدامه للتقارير الدولية عن المتأثرين بالحرب، التي ظل يرفضها وينكر معلوماتها، مثل أعداد النازحين والذين يعانون من نقص الغذاء والدواء، بجانب تقارير بعض المنظمات الأمريكية.
فيما يتعلق بشرعية أو عدم شرعية قوات الدعم السريع، لم يكتفِ البرهان بالإشارة إلى أنها قوات تمردت على الجيش، فوصفها بأنها «جماعة شبه عسكرية». ويمكن لأي مواطن أن يعود إلى الأرشيف ويُخرج عشرات التصريحات للبرهان يدافع فيها عن الدعم السريع ويقول إنها جزء من الجيش.
والمدهش أكثر إشارته إليها في حرب دارفور، حيث قال: “قادة هذه القوات، محمد حمدان دقلو وكبار نوابه، هم أنفسهم القادة الذين أمروا ميليشيا الجنجويد باغتصاب وقتل جماعات غير عربية في دارفور مطلع العقد الأول من الألفية”… وليست من جملة تليق بهذا التعليق غير: “يا راجل!”. فالبرهان شخصيًا كان هناك مسؤولًا عن الجنجويد وحرس الحدود، وقد أسرته قوات عبد الواحد محمد نور ثم أطلقت سراحه.
لو كان البرهان يريد حقًا وقف الحرب وإنهاء معاناة السودانيين، فقد لاحت أكثر من فرصة، لكنه رفضها وأضاعها بتصريحات عنترية تتناقض مع ما يقوله الآن. ولا يظنن، مرة أخرى، أن العالم سينخدع بما يكتبه لهم، وما يفعله في الداخل، كما لا يظنن أن السودانيين لا يقرأون ولا يسمعون ما يقوله للعالم ويفعل نقيضه بالداخل.
نحن في عصر ما بعد الحقيقة، لكن البعض يظن أننا نعيش في القرون الوسطى، حيث تصل الأخبار والمعلومات بعد سنوات.