مقالات

المثقف في زمن الحرب : بين استقلال الضمير وقيود الاصطفاف

عمر الدقير

أثار السجال الذي ابتدره د. النور حمد، وأسهم فيه د. الواثق كمير، ود. ناهد محمد الحسن، والأستاذ خالد كودي، وربما شارك فيه آخرون لم تتيسر لي متابعتهم – حول موقع المثقف إزاء السلطة والاستبداد والسلاح في سياق الحرب السودانية الراهنة – سؤالاً يتجاوز الأشخاص والمواقف المعلنة: ما دور المثقف في زمن هذه الحرب؟ وكيف يحافظ على استقلال ضميره ووظيفته النقدية، سواء اقترب من إحدى القوى المتصارعة أو اختار عدم الانحياز إلى أيٍّ منها؟

لا أقصد بهذه المساهمة تقييم حجج المشاركين في السجال، وإنما تناول ما أثاروه من زاوية استقلال ضمير المثقف ووظيفته النقدية. فالسؤال ليس ما إذا كان يحق له أن ينتمي أو ينحاز، وإنما كيف يمنع انتماءه وانحيازه من التحول إلى ارتهانٍ يُعطِّل مساءلته للطرف الأقرب إليه وتطبيق المعيار نفسه على الحليف والخصم. فالمثقف لا يعيش خارج مجتمعه، ولا تُقاس استقلاليته في النقد بخلوه من الانتماء، وإنما باتساق معياره واستقلال ضميره داخل الموقع الذي اختاره.

ولا يعني استقلاله عن أطراف الحرب وقوفه على الحياد؛ فعدم الانحياز إلى أيٍّ منها قد يكون موقفاً ضد الحرب، وانحيازاً إلى ضحاياها وإلى قيم السلام والحرية والعدالة والكرامة؛ أما الحياد إزاء الظلم والانتهاكات فهو ستار للتهرب من المسؤولية الأخلاقية.

الحرب لا تدمر البيوت وتزهق الأرواح وتُهجِّر السكان فقط، بل تتسلل إلى اللغة والوعي وإدراك الحقائق. فهي تقسم المجال العام إلى معسكرات مغلقة، وتقيس صدقية الأقوال بمدى الولاء لا بقوة الحجة. وفي هذا المناخ، قد تصبح الكلمات أسلحة، والمقالات متاريس، والمفاهيم الأخلاقية والقانونية ذخيرةً انتقائية يُقصف بها الخصم ويُحمى منها الحليف.

هنا يصبح المثقف عرضةً لفقدان استقلاله النقدي، حتى من دون ضغط أو منفعة شخصية. فقد يبدأ منحازاً إلى قضية يراها عادلة، ثم ينتقل إلى الدفاع عن القوة التي ترفع شعارها، ثم إلى التماس الأعذار لممارساتها أو الصمت عنها خشية استفادة الخصم من نقدها. وهكذا يتحول، من حيث لا يقصد، من مثقف قضية إلى مثقف معسكر، ومن صاحب موقف نقدي إلى منتج لخطاب يبرر ممارسات الطرف الذي انحاز إليه.

لذلك لا يكفي أن نسأل عن نيات المثقف، وإنما عن الوظيفة السياسية والأخلاقية لخطابه: هل يحد من العنف أم يبرره؟ هل يوسع المجال العام أم يضيقه؟ هل يعيد السياسة إلى المجتمع أم يلحقها بالسلاح؟ وهل يمنح الضحايا جميعاً حقهم في الاعتراف والعدالة، أم لا يرى إلا من تنسجم مأساتهم مع رواية معسكره؟

ولا تعني وحدة المعيار مساواةً مصطنعة بين القوى والأفعال؛ فقد تختلف طبيعة الأطراف ومسؤولياتها وحجم الجرائم المنسوبة إليها. لكن رفض المساواة لا يعفي أي طرف من المساءلة. فالتمييز بين المسؤوليات شيء، وانتقاء المعايير شيء آخر.

يظهر استقلال الموقف النقدي للمثقف في قدرته على مساءلة الطرف الأقرب إليه، لا في شدة هجومه على خصومه.

فانتقاد الخصم لا يتطلب شجاعةً كبيرة داخل المعسكر؛ أما رؤية أخطاء الحليف، والاعتراف بضحايا انتهاكاته، ورفض تبريرها، فتكشف ما إذا كان المثقف محكوماً بالمبدأ أم بالولاء. وينطبق ذلك على المثقف المؤيد للجيش بقدر ما ينطبق على المساند للدعم السريع أو لأية قوة مسلحة أخرى. فمن يطالب خصمه بما لا يطالب به حليفه يفقد قدرته على أداء وظيفة نقدية تتجاوز الدعاية.

من صميم مسؤولية المثقف حماية الحقيقة من أن تصبح إحدى ضحايا الحرب. وهذا يقتضي التثبت من الوقائع، ومقاومة التحريض وخطاب الكراهية، وعدم تحويل الانتماء الإثني أو الجغرافي أو السياسي إلى قرينة إدانة. كما يقتضي حماية القضايا العادلة من أن تصبح غطاءً لأفعال تناقضها؛ فالدفاع عن قضية لا يكون بإنكار ما يُرتكب باسمها، وإنما بصونها ممن يستخدمونها لتبرير العنف والاستبداد.

والحق أن مسؤوليته لا تتوقف عند حماية الحقيقة أو إدانة الوقائع بعد حدوثها، بل تبدأ باستشعار نُذُر الكارثة، والتنبيه إلى الشروط التي تهيئ لها، ومقاومة الخطابات والسياسات المؤدية إليها، وصياغة بدائل تحول دون وقوعها. فإذا وقعت، لا تنحصر مسؤوليته في وصفها أو التحسر على ما أحدثته، بل تنتقل إلى مواجهة منطقها وآثارها وفتح طريق للخروج منها. وفي ظل الحرب والاستقطاب، يعني ذلك مقاومة نزع الإنسانية عن الخصوم، والتمييز بين التسوية والاستسلام، والدفاع عن حوار يواجه أسباب الحرب ولا يتجاوزها، واستعادة المجال السياسي من هيمنة السلاح. فلا خلاص من هذه الحرب إلا بمسار سياسي، وكل خطاب يصوِّر التفاوض خيانةً ويجعل الحسم العسكري الطريق الوحيد يُسهم في إطالة معاناة الناس. ومن هنا تبرز الحاجة إلى صلة حية بين الفكر النقدي والفعل السياسي المسؤول؛ صلة لا تجعل الثقافة زينةً للسياسة، ولا السياسة أداةً لإخضاع الثقافة، وإنما تجمعهما في خدمة المصلحة العامة.

من أخطر مآلات الحرب تحويل موازين القوة التي صنعتها إلى تفويضٍ لأصحاب السلاح بتحديد مستقبل السودان. ولهذا، فإن مهمة المثقف ليست البحث عن البندقية الأفضل ليمنحها لغته وشرعيته، وإنما الإسهام في استرداد السياسة من أسر السلاح، وصون حق شعبه في رسم مساره الوطني بالتوافق، والدفاع عن حقه في سلامٍ عادل ودولةٍ مدنية ديمقراطية لا تحكمها بندقية، ولا تستأثر بها جماعة، ولا تختطفها أيديولوجيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع