مقالات

من مكانٍ عليٍّ… يعود قلم السودان إلى نصابه؟!

الجميل الفاضل

إذ لم تكن الكلمة في «مجمع البحرين» يوماً مجرد أداةٍ للتواصل، لكنها كانت منذ البدء فعل هبوطٍ للسرّ ورفعٍ للوجود.

فحين وقف نبي الله إدريس -عليه السلام- على هذه الأرض الخلاسية الطاهرة، ليكون أول من خطّ بالقلم وعلّم الناس البيان، لم يكن يسطّر حروفاً على ورق، إنما كان يرقّم ملكوت العقل الإنساني ويدشّن «المكان العليّ» الذي رُفع إليه عبر بوابة الخرطوم ذاتها.

وللحقيقة، فمنذ تلك اللحظة الإشراقية الأولى، وقبل لقاء الصخرة بين موسى والخضر عليهما السلام، انطبع السودان بفرادةٍ كونية: كأرض تجلٍّ ونقطة وصلٍ بين السماوات والأرض، وكمُلتقى للأضداد، وكمستقرٍّ للكلمة التي لا تفنى.

إن إعلان اعتماد «قلم السودان» عضواً في القلم الدولي (PEN International) أمس، في هذه اللحظة الوجودية الحرجة، يمثّل استعادةً لرمزية «قلم إدريس» من قلب الرماد، ولحوارٍ وتثاقفٍ بين الباطن والظاهر بدأ من أرض جزيرة توتي المباركة.

ومن خلال ما يمثّله هذا الحوار والتثاقف المستمر إلى يومنا هذا، من نقلةٍ من حالة الشتات والانكسار إلى مرتبة الشهادة والإشراق.

ومن دلالات هذا التجلّي العظيم: نتعلم أن الحوادث الظاهرة ليست إلا ظلالاً لحقائق باطنة عميقة.

ففي وقتٍ تشهد فيه البلاد أعنف أزمات تاريخها الحديث —بين الحرب، والنزوح، ومحاولات طمس الهوية ومصادرة الحق في الوجود— تأتي هذه الخطوة لتكشف عن ثلاث دلالاتٍ مهمة:

أولها: الانبعاث من المركز النوراني الخلاسي كجامعٍ كوني:

فالسودان، بثرائه وهويته المركّبة، ليس مجرد ساحةٍ لصراع، إنما هو «برزخ الإمكان» الذي تلتقي فيه كل ذاتٍ بغيرها إن لم يكن بنقيضها.

وبالتالي فإن انضمام قلم السودان إلى المنظومة العالمية ليس إعلاناً بأن الصوت السوداني مجرد صوتٍ إقليمي يبحث عن حماية، بل هو صوتٌ إشراقيٌّ يملك من العمق والفرادة ما يجعله قادراً على إعادة تعريف مفهوم الكلمة والحرية للعالم أجمع.

ثانياً: تقدّم هذه الخطوة الكلمة في السودان كفعل نهوضٍ وهداية:

إذ حين تضيع البوصلة السياسية وتتشتت الأجساد في الشتات واللجوء، تنزل الكلمة منزلة «الروح» التي من شأنها أن تحيي الهيكل.

على أية حال، فالحرية هنا ليست مجرد شعاراتٍ حقوقية، إنما هي «إعادة امتلاكٍ للذات» وتشييدٌ للفضاء الجامع الذي لا تطاله بندقية ولا يحدّه هجير نزوح. المهم فأن الكتابة قد تغدو هنا فعل بعثٍ يومي ضد الموات والانقسام.

أما ثالثاً: فهي انطلاقة من الهامش الإنساني الراهن إلى رمزية الرفع الأزلي إلى «المكان العليّ»:

وبالتالي فإن التزامات قلم السودان بالعناية بالأصوات المهمّشة والمعذّبة هي استجابة نابعة من جوهر الفلسفة الإشراقية نفسها: فالأنوار لا تشرق إلا من الظلام والعتمة.

ليصبح الإنصاف الثقافي والفكري ليس مجرد واجبٍ أخلاقي، بل هو شرطٌ للكمال الإنساني؛ إذ لا تكتمل وحدة النص الإنساني إلا بسماع كل نبرةٍ طُمرت أو أُخرسَت.

كما أتصوّر من واقع إيماني بقدرة الكلمة على فتح المغاليق، ورتق الفتوق، وبناء «المجتمع المنفتح على قيم العدالة والحوار»، أن ميلاد «قلم السودان» قد يجسّد التطبيق العملي لهذا العهد.

كما أنني لا أنظر إلى هذه الخطوة بوصفها مجرد إنجازٍ مؤسسي أو استحقاقٍ إداري يُضاف إلى السجلات الدولية، لكني ربما أراها «ميثاقاً نورانياً» بين الكاتب وأرضه، وبين المبدع وأمته.

تمثّل لا محالة بداية الطريق نحو إرساء أدبياتٍ جديدة، هي أدبيات الحوار البرزخي: حيث ينتهي الإقصاء، وتصبح الاختلافات الثقافية والفكرية السودانية هي الثراء المضيء الذي تُبنى عليه إعادة اللحمة بين الناس.

فمن أدبيات الشهادة والتأثير قد يستعيد الكاتب السوداني دوره كـ«شاهد بالحق»، يوثّق الجرح ويصوغ منه أفقاً للخلاص الوطني وللسلام الكوكبي.

لينشأ من ثم جسرٌ إشراقي يصل إنسان هذه الأرض بالطاقات الإنسانية الخلّاقة في كل بقاع الأرض.

ومن هنا يبدأ هذا الطريق.. من حيث أُعطي السودان سِرّ القلم أول مرة يوم أن خطّ به إدريس عليه السلام في فجر التاريخ، وليُعطى السودان اليوم سِرّ القلم من جديد ليصوغ بكلماته الخروج من ليل المأساة إلى فجر الانبثاق الكوني المرتقب.

ولذلك فإن «قلم السودان» ليس مجرد صوتٍ يُضاف إلى أصوات العالم، إنما هو نداء المكان العليّ الذي يذكّر البشرية بأن الكلمة ينبغي أن تكون صادقةً، حرّةً، وعميقةً.. وأن الضوء مهما اشتدت الظلمة، يعود ليبدأ دائماً من نقطة بدئه الأولى، كي يري الجميع: الأشياء أوضح، وأصدق، وأعمق، وأشمل، وأجمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع