تعاظم الحديث السوداني عن تأثير الذكاء الاصطناعي في مجالات الموسيقى والغناء، شاغلاً العاملين في المجال، وكذلك المتلقين بقدر كبير من الاختلاف والاتفاق. وكأنما تاريخ التجديد في الإنتاج الغنائي والموسيقي يعيد نفسه بين فترة وأخرى، فيُحرج الموسيقيين الذين يحاولون معرفة هذا التطور واللحاق به بعد تفهم حتميته، والوقوف على أسرار إتقانه.
ليس هذا الإحساس بالغربة أمام الأداة الجديدة جديداً على المشهد الموسيقي السوداني. ففي النصف الأول من التسعينيات، واجه نظام “التراكس” معارضة قوية من بعض الموسيقيين الفاعلين، وعدد كبير من المستمعين على حد سواء. وكان إنتاج شركة حصاد، بإشراف الأستاذ يوسف الموصلي، قد وجد في البداية تحديات عظيمة.
إذ لم تألف الأذن السودانية تركيب صوت المغني معملياً لوحده ثم بناء الآلات عليه آلةً تلو أخرى. أي صناعة الأغنية بالتجزئة عوضاً عن إنتاج العمل مرة واحدة بمشاركة كل الآلات المصاحبة لصوت الفنان في جلسة حية منظورة.
كانت الاعتراضات آنذاك تدور حول برودة الصوت، وفقدان الروح الجماعية التي تمنح العمل الأوركسترالي رونقه. باختصار، كان التخوف من أن يتحول الإنتاج إلى عمل صناعي فاقد لروح الحضور الكامل للجوقة الموسيقية هو ما ميز حجة الموسيقيين آنذاك أكثر من البحث عن السمات الإيجابية الأخرى للتجربة.
لكن بعد أن أدرك مبدعونا الموسيقيون المغامرون طبيعة هذا التحول العلمي الذي يسبقنا فيه العالم دائماً، جربوه وتدربوا عليه حتى أصبح أداة راسخة لا غنى لأي مبدع في الحقل عن خوض توظيفها.
وعندئذ اتضح لمبدعينا جلياً أن الآلة الجديدة ليست هي التي تشوه الفن السوداني، وإنما يكمن الإشكال في العقلية التي ترفضها قبل أن تتواضع لمعرفة توظيفها لصالح ترقية الأداء الغنائي والموسيقي.
اليوم يتكرر المشهد نفسه، لكن بوتيرة أسرع وأدوات أعمق تأثيراً. لم يعد الأمر متعلقاً بتسجيل منفصل للصوت والآلات، كما هو في حالة حصاد، بل بقدرة معطيات خوارزمية على توليد لحن كامل، وتوزيع، وأداء صوتي، بل وحتى كلمات، من مجرد وصف نصي.
وصار بقدرة كل شخص في هذه الدنيا، لو تدرب على هذه التطبيقات، أن يخلق برؤاه موسيقاه، ومن ثم يعرضها لجمهوره المتابع. أي أن الوضع أشبه بدور تطبيقات فيسبوك ويوتيوب التي أتاحت لكل من لا صوت له في السابق أن يتقمص دور الصحفي، والمحلل السياسي، والمحاور التلفزيوني، والمنتج للبرامج الإذاعية.
وإذا كان الإعلام قد تحرر من المسيطرين عليه منذ بدء الخليقة، فإن إنتاج الموسيقى سيتحرر حتماً من منتجيه مع مرور الأيام.
وكل من لا صوت له غنائياً سيكون منتجاً بالكيفية التي يريد، بصرف النظر عن تأثيره جماهيرياً أم لا، وكذلك بصرف النظر عن القيمة التي يضيفها للتراث الغنائي أم لا.