مقالات

الهويات الصغرى : من التعدد إلى التشظّي في مجتمعات ما قبل الحداثة

عبد الجليل سليمان 

الأمة التي تفشل في بناء سردية كبرى، لا مفرّ لها من أن تأكلها الحكايات الصغيرة.”

تقديم

في سياق الانهيارات السياسية والاجتماعية التي تضرب كثيراً من دول ما بعد الاستعمار، يطفو مصطلح “الهويات الصغرى” بوصفه عدسة تحليلية تساعدنا في فهم التنازع الداخلي، والانقسام المجتمعي، وانسداد الأفق الوطني. 

ورغم أن الهويات الصغرى ليست إشكالية في ذاتها، إلّا أنها تتحول إلى أدوات تفكيك وتنازع حين تغيب الهوية الجامعة أو المشروع الوطني الشامل.

في هذا المقال، نعيد فحص المصطلح، ونستكشف أثر هذه الهويات في المجتمعات غير المُحدَثة، أي تلك التي لم تستكمل بناء دولتها الوطنية أو لم تدخل في تعاقد سياسي تعددي. السودان، هنا، يُستخدم كنموذج حيّ.

أولاً: ما المقصود بالهويات الصغرى؟

تشير الهويات الصغرى إلى الانتماءات الثقافية أو الاجتماعية أو الدينية أو الجغرافية التي تُميّز جماعة بشرية محدّدة داخل مجتمع أكبر. تشمل هذه الهويات: 

العرق والإثنية

 القبيلة والعشيرة

 المذهب والطائفة

 اللغة واللهجة

 الجهة أو الإقليم.

وهي، وفق الباحث المغربي عبد الله العروي، أحد تمفصلات “الاجتماع التقليدي” حين يتفكك دون أن يُستبدل بنمط حداثي مؤسسي جامع¹.

وغالبًا ما يُستخدم وصف “الصغرى” لا بمعنى القيمة، بل بمعنى التموضع داخل البنية الوطنية الكبرى التي يُفترض أن تتجاوزها عبر المواطنة. 

ثانيًا: من الحقوق إلى التسييس

في الديمقراطيات المستقرة، تناضل الهويات الصغرى لأجل الاعتراف الثقافي والتعدد التمثيلي دون أن تُهدّد وحدة الدولة. لكن في المجتمعات الهشة، حيث الدولة لم تكتمل بعد، تنفجر الهويات الصغرى كآليات للبقاء في وجه التهميش والتذويب، وقد تتحول إلى أداة للصراع الدموي.

كما يلاحظ تشارلز تايلور، فإن الصراع على الاعتراف² قد يتحول إلى نزاع وجودي حين تُقصى جماعة ما من الحقل الرمزي والسياسي، أو حين تُختزل في هوية مفروضة من الخارج. 

ثالثًا: متى تصبح الهويات الصغرى خطرًا؟

تُصبح الهويات الصغرى أزمة سياسية حين تتوفر الشروط التالية:

فشل بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز القبيلة والعرق والدين.

غياب العدالة التمثيلية في مؤسسات الدولة.

 هيمنة مراكز السلطة على الهوامش وتجاهل التنوع الثقافي.

 تسييس الانتماء بحيث تُمنح الامتيازات بحسب الأصل لا الاستحقاق.

 غياب التحديث المؤسسي الذي يفصل بين العام والخاص، بين المواطنة والانتماء الوراثي.

رابعًا: السودان والهويات الصغرى – مأساة مستمرة

منذ الاستقلال، عجز السودان عن بناء هوية وطنية مدنية تحتضن تنوعه الإثني والثقافي. فكان أن طفت الهويات الصغرى على السطح السياسي، من دارفور إلى الجنوب إلى الشرق، بوصفها أدوات مقاومة ضد التهميش، وأحيانًا أدوات صراع على التمكين.

وقد كشفت تجربة اتفاق جوبا للسلام (2020) عن مدى رسوخ منطق “المُكوّنات”، حيث تم تقنين الهوية الصغرى في مسارات تفاوضية، ومحاصصات وزارية، وتحالفات سريعة الزوال، مما عمّق منطق التشظي بدل أن يعالجه⁴.

خامسًا: الآثار السياسية للهويات الصغرى

تفكيك المواطنة

تصبح الحقوق مرتبطة بالانتماء العرقي أو الجهوي، لا بالمواطنة المتساوية.

انهيار المؤسسات

يتحوّل الجيش إلى بنية طائفية، والتعليم إلى آلية أيديولوجية، والإعلام إلى أداة تحريض، مما يفرغ الدولة من مضمونها الحداثي.

عسكرة الهوية

تتحول الجماعة الصغيرة إلى “جمهورية أمنية”، تفرض سلطتها بالسلاح لا بالشرعية القانونية.

انغلاق الفضاء العام

لا تعود النقاشات حول الأفكار، بل حول الأصول: من أنت؟ لا ما تقول.

سادسًا: نحو أفق بديل

إن تفكيك أثر الهويات الصغرى لا يمر عبر نفيها أو قمعها، بل عبر:

تحويلها إلى وعاء ثقافي لا سياسي.

 ضمان التمثيل العادل دون المحاصصة.

 إعادة تعريف الهوية الوطنية كإطار تعددي، لا كقالب أحادي.

 تبني عقد اجتماعي جديد يعيد الاعتبار للمواطنة لا الوراثة.

خاتمة

الهويات الصغرى ليست سببًا مباشرًا للتشظي، لكنها تنفجر كلما غابت العدالة، وانهارت مؤسسات الدولة، وفشل المجتمع في إنتاج سردية كبرى حاضنة.

ولعلّ السؤال الأكثر إلحاحًا ليس: “كيف نلغي هذه الهويات؟” بل:

“كيف نُعيد ترتيب علاقتها بالوطن، بحيث تكون اختلافًا مثرٍياً، لا قنبلة قابلة للانفجار؟”

 

الهوامش:

عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1996، ص. 77.

 2. Charl, Multiculturalism and “The Politics of Recognition”, Princeton University Press, 1992.

 3. طلال أسد، تشكلات العلماني: في المسيحية والإسلام والحداثة، ترجمة عمرو عثمان، دار جداول، بيروت، 2014.

راجع تحليل الاتفاق في: عبد الوهاب الأفندي، “اتفاق جوبا: إعادة إنتاج الأزمة؟”، مركز الجزيرة للدراسات، 2020.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع