لا شك إنك لو سالت اي شخص سوداني، سياسي او مسؤول كبير او مواطن عادي عن موضوع التدخلات الخارجية في الشأن السوداني. فستكون إجابته إنه ضد التدخل الاجنبي، وإنه يفضل ان يكون الحل سوداني خالص.
هذا حديث وموقف نظري لا غبار عليه، لكن عند اخضاع الواقع للنظر الفاحص سنجد تناقضات واختلافات كبيرة في المواقف والتطبيقات العملية.
سيكون هناك جدل ونقاش كثير حول توصيفات التدخل الاجنبي وتعريفه، وستجد من يكابر في وصف موقف معين بانه تدخل اجنبي ويحاول تعريفه بانه تعامل عادي مع قوى اقليمية ودولية، لذلك هناك حاجة لتعريف دقيق لمصطلح التدخل الاجنبي ووضع معايير وتفصيلات تساعد على فهم هذا المصطلح.
ثم هناك التناقض الشديد في المواقف ، فقد تقرأ مقالا او كتابة ما لاحدهم يطالب دولة جوار بالتدخل العسكري في الحرب الدائرة حاليا، وفي نفس الوقت ستجد له كتابات اخرى ضد التدخل الاجنبي.
المسالة هنا، وباختصار شديد ان التدخل الخارجي مرحب به إن كان معنا، وهو امر مرفوض إن كان ضدنا، او مع خصومنا. هذا التناقض ينسف الموقف من التدخل الاجنبي من الاساس.
انظر فقط لموقف حكومة بورتسودان، وهي الاعلى صوتا في مسالة رفض التدخل الاجنبي لكن بمراجعة مواقفها منذ كانت جزءا من الشراكة العسكرية المدنية بعد الثورة، ستجد انها قامت اساسا بالاعتماد على دعم تحالف اقليمي خارجي، واستمرت في ذلك حتى الانقلاب على الحكومة المدنية والفترة الانتقالية.
وحتى عندما دخلت في الحرب الحالية كان وراء ذلك هذه المحاور الاقليمية نفسها، لكن الفرق هنا ان هذا المحور الاقليمي قد انقسم بين طرفي الحرب، فصارت بعض الدول تدعم البرهان وتحالفه السياسي العسكري، والبعض الآخر وقف وراء الدعم السريع ووفر له التمويل والسلاح والعتاد.
ثم مع تطورات الحرب فتحت بعض دول الجوار اراضيها لتدريب مجموعات مسلحة وتمويلها ومدها بالسلاح، بشكل علني، وعندما تدخل هذه القوات عبر الحدود تقام لها الاحتفالات التي تنقلها اجهزة الإعلام الرسمية. كيف يمكن لنفس هذه الجهات أن تقدم للناس محاضرات عن التدخل الاجنبي وخطورته، وتدمغ اطراف سياسية على خلاف معها بانها خاضعة للدول الخارجية وتصفها بالعمالة والارتزاق.
المدخل لوقف التدخل الاجنبي هو الاتساق في المواقف، إن كنت ترفضه وتراه شرا محضا فعليك ان تطبقه على نفسك اولا. وإن كنت ترى التعامل مع القوى الخارجية مهم على اساس المصالح، فإن ذلك يحتاج معايير صارمة ووضوح في الرؤية يحدد الفرق بين التعامل مع القوى الاقليمية والدولية وبين الارتهان بها.