
في مناطق تُراوح بين أطراف الصحارى وحدود الأنهار، نشأت جماعات سعت، في سياق تاريخي معقّد، إلى تثبيت انتماء عروبي راسخ، لا لكونه امتدادًا لواقع لغوي أو إثني، بل كنوع من الارتقاء الرمزي واستعادة المجد الغائب.
لم يكن هذا الانتماء سوى ما يمكن تسميته بـ” الانتماء الرمزي المشتهى”؛ إذ لا يقوم على متكآت وراثية أو لغوية متصلة، بل يُبنى على سرديات متخيلة، وإرث روحي مستعار.
وفقًا لتحليل جوليا كريستيفا، فإن الهوية ليست معطًى ثابتًا، بل هي خطابٌ ينتجه الحنين، والخوف، واللاوعي الجمعي. وحين يواجه مجتمع ما تهديدًا للتماسك الداخلي، أو أزمة في تعريف ذاته إزاء الآخرين، يلجأ إلى إنتاج سرديات جبرية: أنساب نقيّة، بطولات منقولة، ولهجات تُعدّ امتدادًا للغة الأصلية، وإن لم تكن كذلك.
أما بنديكت أندرسون، فيُعرّف الأمة بأنها “جماعة متخيلة” (imagined community)، يتم تشكيلها عبر اللغة، والإعلام، والتاريخ الرسمي، لا من خلال روابط دم أو موروث مباشر. وهذا ما نلمسه في تلك المحاولات المستميتة لتركيب انتماءات فوقية، تُعيد رسم الخريطة الثقافية والاجتماعية على نحو يُخالف التجربة المعيشة ويطمس الهويات الأصيلة.
المفارقة اللافتة أن هذه الجماعات ـ رغم اختلافها الظاهري ـ كثيرًا ما تصوغ خطابها الذاتي في تعارضٍ مع جماعات أخرى أقرب إليها من حيث السمات الجينية واللغوية والجغرافية. فبينما ترفض الاعتراف بتشابهها العميق مع شعوب محاذية لها، وتشاركها ملامحها وطرائق عيشها، تنحو في اتجاه مقابل نحو الالتحاق العاطفي بشبه الجزيرة العربية بوصفها أرض الأصل، وإن لم يكن ثمّة جسر أنثروبولوجي واضح يربط بينهما.
هذا ما يُسميه إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق، بـ”البحث عن هوية عبر مرآة الآخر المهيمن”، أي أن بعض الشعوب المستعمَرة سابقًا أعادت تشكيل وعيها الذاتي وفق صورة المستعمِر أو المهيمن الرمزي، في هذه الحالة، العربي “النقي”. والهوية هنا لا تُستمد من التجربة ولا من الذاكرة الجمعية، بل من رغبة في الانعتاق من “المرآة القريبة” التي تعكس صورة غير مرغوبة، والتماهي بدلًا من ذلك مع الآخر البعيد، الأشهى رمزيًا، وإن لم يكن حاضرًا في الدم ولا في اللسان.
يضيف فرانتز فانون في كتابه بشرة سوداء، أقنعة بيضاء، أن الإنسان المستعمَر غالبًا ما يرتدي قناع المستعمِر ليشعر بقيمته، متقمصًا لغته، واسمه، وحتى تصوّره عن الجمال والهوية. وفي هذا القناع يكمن القلق الوجودي الذي لا يمكن مداواته بغير الاعتراف بالمكون الإفريقي، النيلي، الحامي، الكوشي، الذي يشكل جذر التربة لا مجرد هوامشها.
فالواقع لا يمكن دفنه بالرغبة. وما كان ينبغي أن يكون مصدر فخر – التعدد، الهجنة، التلاقي – أصبح في هذه السرديات عبئًا يجب محوه بالادعاء. وبينما تقبل شعوب أخرى في الجوار بهويتها المركبة، وتنسج سرديتها دون الحاجة إلى نسب خارجي أو افتعال نقاء، يبقى بعض القوم أسرى “الانتماء النرجسي البديل”، يحفرون في الرمال عن شجرة نسب قد لا تنبت في تربة الذاكرة الحقيقية.
إن اضطراب الهوية هذا ليس أزمة فرعية، بل هو قلب معضلة ما بعد الكولونيالية في هذه الرقعة من العالم. فمن دون مصالحة مع الذات المركبة، والتاريخ غير المتجانس، ستظل الذات أسيرة وهم الأصول، وعطش الانتماء، وجوع النقاء، في زمن لا يعترف إلا بالهويات المتصالحة لا المتخيلة.



