
لم يكن اسمه جديدًا على الأسماع، لكنه بدا في لاهاي وكأنه ينهض من رماد قرية بعيدة ليواجه العالم.
مخطئ من يظن أن كوشيب وحده هو الذي حوكم اليوم، بل حوكم زمن كامل من الرعب السوداني، زمنٌ سالت فيه القرى كجراحٍ مفتوحة على الرمل، وتهشّمت فيه المروءة على جدران الخوف.
حين نطق القضاة بالحكم، بدا المشهد كما لو أن التاريخ نفسه يتلعثم وهو يقرأ أسماء الضحايا. كانت العدالة تمشي الهوينى، لكنها وصلت أخيرًا — لا تسكر، ولا تثمل، بل تفتح أعينها على اتساعها لتشهد الخراب كله.
ارتجاف مروي
لم يكن وحده في الحكاية؛ خلفه تقف سلاسل الطاعة القديمة التي تبدأ من القصر في الخرطوم ولا تنتهي إلا عند أطراف دارفور. هناك كانت أوامر البشير، وعبد الرحيم محمد حسين، وأحمد هارون تهبط كالأمطار الكالحة، وكان كوشيب يمسح وجهه برمادها ويبتسم.
واليوم، حين دوّى الحكم في لاهاي، يُقال إنّ أولئك الثلاثة ارتجفوا في مخبئهم الأمين الذي وفرته لهم سلطة بورتسودان في ضاحية مروي بشمال السودان؛ لا من العدالة وحدها، بل من ذاكرة الأرض التي لا تنسى. فالرمال تعرف خطاهم، والنخيل يحفظ سرّ همسهم للظلال، والهواء يحمل روائح القرى التي أُحرقت باسم الوطن.
قدح المريسة
لم يكن اللقب مصادفة.
علي، الذي نال لقب (كوشيب) من الجعة الشعبية، لم يدرك أنّ القدح الذي سكر منه العالم القروي سيصير قدحًا للعدالة يومًا ما.
في لاهاي امتلأ القدح أخيرًا، لا بالخمر، بل باعترافٍ ثقيلٍ كدمٍ مسفوك، وسؤالٍ مزلزل: كم من كوشيب آخر يسير الآن بين الخرائب؟.
ذلك السؤال هو ما يجعل العدالة، مهما تأخرت، تظلّ أقرب إلينا من رصاصةٍ ضلّت طريقها.



