منوعات
(السِّينما السُّودانيّة قصّة البِداية).. قراءةٌ عميقة في ولادة الوعي السِّينمائي
الدوحة - مشاوير: مجدي علي

لا يقدِّم كتاب (السِّينما السُّودانيّة: قصّة البداية) للباحث السُّوداني أ.د.هشام زكريا تاريخًا تقليديًا للأفلام، أو سردًا توثيقيًا للأعمال السِّينمائيّة فحسب، بل يذهب أبعد من ذلك ليقترح قراءةً ثقافيّةً واجتماعيّةً للصورة المتحرِّكة بوصفها جزءًا من تشكُّل الوعي الحديث في السُّودان. فالكتاب، الصادر حديثًا عن دار الريّس للنشر والتوزيع والترجمة (2025)، يعيد طرح سؤال السِّينما لا باعتبارها فنًّا مستقلًّا، بل كمرآةٍ لتحوُّلات المجتمع، وساحةٍ للتوتّر بين السُّلطة والنّاس، وبين الرؤية المفروضة والرغبة في التمثيل الذاتي.
يعود زكريا بالقارئ إلى عشرينيّات القرن الماضي، حين دخلت الكاميرا السُّودان لأوّل مرّة في سياقٍ استعماريٍّ بريطانيّ، لا بوصفها أداة إبداع، بل باعتبارها وسيلةَ ضبطٍ بصريٍّ ومعرفيّ.
كانت الأفلام الأولى أفلامًا “توجيهيّة” بالمعنى السّياسيّ والثقافيّ، تُنتَج لتثبيت حضور الدّولة الاستعماريّة وتعليم السُّكّان وفق تصوُّرات السُّلطة، فيما ظلّ السُّودانيّون في تلك المرحلة موضوعًا للعدسة لا فاعلين فيها. غير أنّ المفارقة، كما يبيِّن الكتاب، أنّ هذه الهيمنة البصريّة نفسها زرعت بذرةَ وعيٍ جديدة؛ إذ شاهد الناس حياتهم اليوميّة تُعرَض على شاشة، فاكتشفوا للمرة الأولى أنّ الواقع قابلٌ لأن يُروى بالصورة، وأنّ التّجربة المعاشة يمكن أن تتحوّل إلى حكايةٍ مرئيّة.
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى رصد تشكُّل الفضاء السِّينمائيّ المحلّيّ، متوقّفًا عند مدينة عطبرة التي احتضنت أوّل دار عرضٍ سينمائيّةٍ محلّيّة عام 1931، في دلالةٍ على العلاقة بين السِّينما ونشوء الطّبقة العاملة والمدينة الحديثة. كما يشير إلى أوائل المحاولات الوطنيّة المبكّرة، مثل فيلم (آمال وأحلام) للمصوّر والسِّينمائيّ الرائد الرشيد مهدي، بوصفها محاولاتٍ لتملُّك الكاميرا، ولو بوسائل محدودة.

ومع الاستقلال عام 1956، تبدأ مرحلةٌ جديدة يناقشها الكتاب بوصفها لحظةَ بحث الدّولة الوطنيّة عن صورتها ولغتها ورموزها. في هذا السّياق، نشأت (وحدة أفلام السُّودان) في الخمسينيّات، كأوّل بنيةٍ مؤسّسيّةٍ لصناعة الفيلم. ورغم أنّها ورثت تقنياتٍ وخطابًا من المرحلة الاستعماريّة، فإنّها أعادت توجيه الكاميرا نحو أهدافٍ وطنيّة: التّوثيق، والتّعليم، وبناء وعيٍ جمعيّ.
وقد أنتجت الوحدة مئات الأفلام التّسجيليّة القصيرة التي تناولت الزّراعة، والصّحّة، والتّنمية، والمهرجانات القوميّة، وكانت (السِّينما المتجوّلة)، التي تجوب المدن والقرى على ظهر الشاحنات، إحدى أبرز تجلّيات التقاء الدّولة الحديثة بجمهورها عبر الشّاشة.
يتوقّف زكريا مطوّلًا عند انتشار صالات العرض السِّينمائيّ في الخمسينيّات والسّتينيّات، في الخرطوم وأم درمان وبورتسودان وعطبرة، ويذكر كلوزيوم، والوطنيّة، والنّيل الأزرق، والحلفايا. ويقرأ هذه الصّالات بوصفها فضاءاتٍ للتّحديث الاجتماعيّ، حيث يلتقي العمّال والطّلّاب والمثقّفون، ويطلّ السُّودان على العالم عبر السِّينما المصريّة والهنديّة، قبل أن يلعب التّلفزيون دوره لاحقًا.
كانت السِّينما، في تلك المرحلة، تجربةً جماعيّةً لصناعة الذّائقة البصريّة، ونافذةً أولى على الحداثة.

ومن المشاهدة إلى الإنتاج، يتتبّع الكتاب التّحوُّل البطيء نحو السِّينما الرّوائيّة، موضحًا كيف أنّ التّركيز الطّويل على الفيلم التّسجيليّ جعل هذا الانتقال يتأخّر نسبيًا حتّى ستّينيّات وسبعينيّات القرن الماضي.
وفي السّبعينيّات والثّمانينيّات، يبرز جيلٌ من المخرجين الذين تلقّوا تعليمهم خارج السُّودان، وفي مقدّمتهم جاد الله جبّارة، إلى جانب أنور هاشم وعبد الرحمن محمد عبد الرحمن، حيث بدأت تتبلور محاولاتٌ واعية لتأسيس لغةٍ سينمائيّةٍ سودانيّةٍ مستقلّة، تطرح أسئلة الهويّة، والبيئة، والإنسان، في مواجهة التّحوّلات الاجتماعيّة والسّياسيّة.
غير أنّ هذه الطّموحات، كما يوضّح زكريا، اصطدمت بواقعٍ مضطرب: انقلاباتٍ عسكريّةٍ متكرّرة، تقلُّب السّياسات الثّقافيّة، ضعف التّمويل، وإهمال البنية التّحتيّة الفنّيّة. لذلك يخلص الكتاب إلى أنّ السِّينما السُّودانيّة لم تعرف مسارًا تصاعديًا مستقرًّا، بل ظلّت أشبه بـ”مشروعٍ يُعاد اختراعه في كلّ مرّة”، مع تعدُّد البدايات وغياب الاستمراريّة.
وفي هذا السّياق، تبرز القيمة الخاصّة لكتاب (السِّينما السُّودانيّة: قصّة البداية) بوصفه عملًا توثيقيًا ومعرفيًا بالغ الأهميّة، لا يستعيد الماضي بدافع الحنين، بل يؤسّس لأرشيفٍ نقديٍّ تحتاجه الأجيال الجديدة من السِّينمائيّين السُّودانيّين، وهم يخوضون اليوم تجارب مختلفة ورؤى أكثر تحرّرًا وتنوّعًا، في ظلّ تطوّرٍ عالميٍّ هائل في أدوات السّرد البصريّ. فهذه الموجة الجديدة، على اختلاف مقارباتها وأسئلتها، لا تنفصل عن ذلك الإرث الأوّل، بل تجد في توثيقه وفهمه شرطًا لازمًا لتجاوزه الخلّاق وبناء لغتها الخاصّة.




