أثار البيان الصادر عن الرئاسة المصرية عقب زيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان للقاهرة حالة من الجدل والتحليل المتباين، خاصة بين المتخوفين من “غموض” الموقف تجاه القوى السياسية السودانية، أو أولئك الذين استبشروا بتصريحات الهيئة العامة للاستعلامات حول “عدم تغلغل الإخوان في الجيش”.
إلا أن القراءة الفاحصة والمتأنية لنص البيان وللمناخ السياسي الدولي تشير إلى أن القاهرة صاغت “معادلة ذكية” ترجح كفة الحل الدولي وتضع الجميع أمام استحقاقات رؤية “ترامب – الرباعية”.
لم يكن من قبيل الصدفة أن يستهل البيان المصري بنوده بتأييد مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
هذا التموضع يمثل “حجر الزاوية” في التحرك المصري، فمصر تدرك أن مفاتيح الحسم الدولي باتت في يد واشنطن. هذا التأييد يعني ضمناً القبول بـ “المعايير الدولية” التي يفرضها ترامب والرباعية تجاه شكل الدولة القادمة في السودان، وهي معايير لا تقبل بإعادة إنتاج الأنظمة الأيديولوجية أو السماح بعودة تغلغل الإسلاميين بشكل قد يهدد الاستقرار الإقليمي الذي يسعى ترامب لترسيخه.
توقف الكثيرون عند تصريح الاستعلامات المصرية بنفي تغلغل “الإخوان” في الجيش السوداني.
وفي حين بدأ هذا التصريح وكأنه دعم لسردية البرهان وتطمين للإسلاميين، إلا أنه من الناحية التحليلية يخدم غرضين الأول هو دعم شرعية المؤسسة العسكرية فمصر معنية ببقاء الجيش السوداني ككيان موحد وقوي، ونفي الصبغة الحزبية عنه هو وسيلة لتقوية موقف البرهان دولياً ومنع “شيطنة” المؤسسة العسكرية التي تعتبرها مصر صمام أمان لوحدة السودان.
أما الغرض الثاني من هذا التصريح هو رفع الحرج عن القاهرة في التعامل مع القيادة الحالية، لكنه “يصطدم” بالضرورة مع الرؤية الراديكالية التي يقترحها ترامب والرباعية تجاه الإسلام السياسي.
وبما أن البيان خُتم بالتأكيد على دعم جهود “الرباعية”، فإن المحصلة النهائية ستكون لصالح رؤية الرباعية التي تمتلك أدوات الضغط والرقابة لتنقية المشهد السياسي السوداني مستقبلاً.
يفسر هذا التحليل لماذا جاءت فرحة التيار الإسلامي في السودان مشوبة بالحذر والتحفظ. فهم يدركون أن “الغزل” التكتيكي في تصريحات الاستعلامات لا يلغي الحقيقة الكبرى أن مصر وضعت نفسها رسمياً تحت مظلة “رؤية ترامب والرباعية”.
هذه المظلة تفرض مساراً مدنياً وديمقراطياً في نهاية المطاف، وهو مسار لا ينسجم مع طموحات العودة الشمولية للإسلاميين، مما يجعل التأييد المصري للجيش هو تأييد لـ “المؤسسة” وليس لـ “الأيديولوجيا”.
التلويح باتفاقية الدفاع المشترك والخطوط الحمراء هو رسالة موجهة بالأساس ضد مشاريع “التقسيم” أو إنشاء “حكومات موازية” مصر هنا لا تحمي أشخاصاً، بل تحمي “الجغرافيا” والسيادة. هذا التلويح يقطع الطريق على أي طرف يسعى لفرض واقع انفصالي، ويؤكد أن القاهرة لن تسمح بوجود “ليبنة” جديدة على حدودها الجنوبية، وهو موقف يتقاطع تماماً مع رغبة المجتمع الدولي في عدم تحويل السودان إلى بؤرة فوضى عابرة للحدود.
إن القراءة الكلية للبيان المصري تشير إلى أن القاهرة تمارس “واقعية سياسية” صلبة. فهي تدعم البرهان لضمان وحدة الدولة والجيش (الأمن القومي)، لكنها في الوقت ذاته تربط هذا الدعم بقطار “التسوية الدولية” (رؤية ترامب والرباعية).
وعليه، فإن المتخوفين من البيان عليهم أن ينظروا إلى “البند الأول” و”الخاتمة”: البدء بترامب والانتهاء بالرباعية، وما بينهما من تفاصيل هو “أدوات تكتيكية” لضمان العبور الآمن للسودان من نفق الحرب، مع ترجيح كفة الحل الذي يقصي التطرف ويحفظ وحدة التراب السوداني.