صدر الحكم على علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف بـ”عبد الرحمن كوشيب”، أحد أبرز قادة ميليشيات الجنجويد في دارفور، بالسجن لمدة 20 عاماً من قبل المحكمة الجنائية الدولية (ICC) في 9 ديسمبر 2025، لإدانته في 31 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في دارفور بين عامي 2003 و2004.
هذا القرار التاريخي، الذي جاء بعد انتظار دام أكثر من عقد من الزمان، يتجاوز كونه مجرد عقوبة فردية ليمس صميم أزمة العدالة والحرب الراهنة في السودان، ويشكل لحظة فارقة تُعيد ترتيب معنى المساءلة الدولية.
يُعد الحكم سابقة قضائية بالغة الأهمية، كونه يمثل المرة الأولى التي يُحاكَم فيها قائد مليشي سوداني أمام المحكمة الجنائية الدولية، مما يثبت بشكل قاطع أن الجرائم الكبرى لن تمر دون محاسبة، مهما طال أمد الصراع أو تعقدت البيئة السياسية.
بالنسبة لضحايا دارفور، الذين فقدوا أحباءهم وشهدوا الفظائع، يمثل هذا الحكم خطوة نحو “القصاص الناجز”، رغم مرارة تكرار آلام الصراع ذاتها مع اندلاع حرب 2023.
الأهم من ذلك، يمثل الحكم ضربة قاصمة لـثقافة الإفلات من العقاب التي ترعرعت في السودان لعقود، وكانت التربة الخصبة التي غذّت استمرارية العنف وصولاً إلى الكارثة الحالية.
إن الأثر الأعمق لهذا الحكم يقع مباشرة على عاتق قيادة الجيش السوداني. فالجيش، الذي ماطل في تسليم المطلوبين الآخرين للمحكمة (على رأسهم الرئيس المعزول عمر البشير وأحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين)، يوضع اليوم أمام اختبار حاسم. فإذا كانت القيادة صادقة في نفيها لتغلغل الإسلاميين أو حماية إرث النظام البائد، فإن الدليل العملي الوحيد هو التسليم الفوري وغير المشروط لهؤلاء المطلوبين.
إن حماية الجيش لهؤلاء ليست مجرد مماطلة قانونية، بل هي حماية للجذور الفاسدة التي تغذي الحرب المدمرة اليوم؛ لذا، أصبحت المساءلة شرطاً لا غنى عنه لإنهاء دوامة العنف.
إن الحكم على “كوشيب” هو جرس إنذار لكل من يمتلك السلاح ويعتقد أنه فوق القانون.
إنه دعوة صريحة لقيادة الجيش والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة حماية الماضي الفاسد إلى مسار العدالة والمساءلة الشاملة.
لتحقيق عدالة حقيقية وشاملة، لا بد من التحرك على مسارين متوازيين: توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليشمل جميع الجرائم المرتكبة في كافة أنحاء السودان منذ اندلاع حرب 2023، وإنشاء محكمة مختلطة (سودانية ودولية) للنظر في الجرائم الأخرى.
إن السيادة الحقيقية للسودان لا تُقاس بقوة سلاحها، بل بقدرتها على تحقيق العدل لمواطنيها، حيث يكون القانون رادعاً للجريمة، والحق أسمى من القوة.