منوعات

في رحيل “صانعة الكلمة”.. “منال أحمد موسى” .. (2/2) 

ماهر عبدالرحيم

لم تكن منال مجرد معدّة برامج، بل كانت “جوهرتي” التي ادَّخرتُها للأيام وللزمن ..

 وحين جاءت لحظة التأسيس لبرنامج “BN FM” بقناة النيل الأزرق عام 2011،  ذلك الفضاء الذي مزج بين الصورة والصوت، كأول تجربة لهذا النوع من البرامج، كان الجمهورُ يلتقي وجهاً لوجه مع هذه الكوكبة من المبدعين الذين تولوا مهمة التقديم، ينهلون من جمالِ أدائهم الذي صاغت منال الكثير من مفرداته خلف الكواليس.

لم أجد غيرها ليقود معي سفينة “راديو المدينة”  وحين أخبرتها بحاجتي لأن تنضم إلينا في ذلك الفريق، وأن تشاركني مرحلة ما بعد الفكرة والتنفيذ.

سألتني يومها بسؤال الأوفياء : “إنت حا تكون موجود؟”، يقيناً منها وإيماناً بأننا نستطيع معاً أن نقوم بأصعب المهام مهما جلّ قدرها، فقد عملنا معاً من قبل وخبرنا بعضنا، فلما أجبتها بالإيجاب، مضت تضع معي اللّبِنات والهياكل والتوقيتات، فكان جهداً استنسختهُ المؤسسات الإعلامية لاحقاً دون إكتراثٍ بالأحقية ولا الجدة والسبق، ولكنها لم تستنسخ روح ذلك البرنامج الذي كانت تذوب وجداِ وإخلاصاً فيه وصويحباتها المبدعات عرفة الأمين و تهاني النور وكثير من الزميلات اللائي تعاقبن في تيم البرنامج مع رفقة مهنية طيبة من الزملاء العاملين في البرنامج الزاهر على رأسهم الزميل المجتهد ناجي الهادي وأخي الصحفي الهمام أمير أحمد السيد الذي ظل يذكرني بضرورة أن أُعمل قلمي في التذكير بتلك الأدوار المشهودة للعديد من الزملاء الذين غيّب أدوارهم تعتيم متعمد وشيء من تواطؤ لأقلام صحفية بفمها ماء، ترى بعين غير عينها، وتتعمد إظهار بعض من يظهرون أمام الكاميرا دون غيرهم من الذين يحترقون من خلف الكواليس.

هناك، وتحت أضواء “الراديو المرئي”، كان هؤلاء الأفذاذُ يشنفون الآذان ويملأون الوجدان بكلماتٍ من كلمات منال الرصينة، بينما كانت هي تطلُّ أحياناً من على البعد، بهدوئها المعهود وبساطتها الآسرة، ترقبُ ثمارَ غرسها في وجوهِ الناس، وتكتفي بأنها صنعت جسراً من المحبةِ والود والفكر، دون أن تطلبَ لنفسها مكاناً و حيزاً في كادرِ الصورة غير مكانها الذي تتطلبه المهنية، كانت تقف خلف الحناجر المتدفقة قولاً وجمالاً.

ومن بين تلك الأصوات صوت الراحل المقيم الأخ الصديق محمد محمود (حسكا) والذي رحل عنّا تاركاً خلفه سيرةً مهنيةً ومحبةً في قلوب جمهوره الذي كان لبرنامج ال (BN FM) دوراً بارزاً في تألقه وتميزه بتلقائيته المعهودة وبلطفه وسماحته في التجاوب مع المشاهدين المتواصلين مع البرنامج، سائلاً الله تعالى له ولمنال الرحمة والمغفرة والقبول الحسن، فقد شكلوا مع بقية الفريق روحاً رفيعةً من المهنية والمحبة والسماحة ، فكان أن تشكلت نكهات مختلفة بأصواتٍ وأمزجةٍ مختلفة فتنوع الأداء متنقلاً بين إحساس مفعم بالروعة لعفاف حسن أمين وتلقائية الراحل محمد محمود، ورزانة سوركتي عبدالعزيز، وهدوء محمد عثمان الشيخ وطلاوة تسابيح مبارك خاطر، ولطافة نادين علاء الدين ورقة نجود حبيب، وثبات شيبة الحمد عبدالرحمن، و وضوح أسماء النعيم و روح مودة حسن و رفق ليزا شاكر ، ونبرة إسراء عادل، و اداء هايلين هاشم، و سلامة آسيا عطا الله، وأعتذرُ بملءِ الوفاء والرفق كذلك لمن خانتني الذاكرةُ عن ذكرهم في هذه الساعةِ التي أخذتني تجاه كل من لهم علاقة بعمل الراحلة منال فالفاجعةُ قد زلزلت الأركان وغّيبت وضوح الرؤية.

بعد مُضي فترة من إنجاز البرنامج ظلت الراحلة مداومة على المتابعة اليومية دون كلل، وحتى بعد مغادرتي لقناة النيل الأزرق ظلت على العهد بها مخلصةً متفانية.

ولكن، للأقدارِ قسوتها، وإن كتاب التاريخ مليءٌ بالتناقضات التي تختبر الشرفاء وتمتحن صبرهم و تمحِّص الحُشاشة والداخل وتضع الإنسان أمام قدرته الكبرى على التجاوز وعلى المضي إلى ما هُدِي إليه.فيا لقسوة القدر حين يُجالد الظلم سيدة من سادات الرِفق وكرم الأخلاق.

فكيف ينسى الوجدان ذلك الصباح المطير، حين وقفت (نخلة الصبر منال) تحت انهمار المطر لا تجد وسيلةً تقلُّها لنداء الواجب، ولمتابعة ما يخطه قلمها كما تفعل في كل يومٍ وليلة.

الراحلة منال موسى

في يومٍ عاصفٍ شديد المطر، حين استحال وجود ما يقلها إلى موقع القناة لم يكُن من بدٍ إلا أن تخرج في هذا الجو العاصف مستجيبةً لدافعها المهني ولحبها للعمل، ومع ذلك فإنه ولقدرها لم تجد ما تستعين به.

حتى استجارت بدورية شرطة إستوقفها وقوفها تحت ذلك المطر المنهمر، فأشفقوا عليها، وطلبوا أن يوصلوها إلى باب قناة النيل الازرق، لتجد بانتظارها “قسوة الإدارة” التي لم ترَ في المطر عذراً لتأخرها، ولم ترَ في التاريخ المهني شفاعة، ولم تجد في الظرف الطبيعي القاسي مبرراً يستوجب المراعاة، وهي التي لم تكن تأتي في أغلب الأيام عبر الترحيل اليومي الذي يخص المؤسسة.

أُبعِدت منال في لحظة استبدادٍ معلومةٍ ومشهودة من المدير العام للقناة، فخرجت بكرامة الصابرين، وحين نوقِشت في أن تنتصف لنفسها وتسترد حقها وهي المظلومة الصابرة، أجابت بفيضٍٍ من النور، وبخصلةٍ من خصال الكبار : (تركته لله تعالى يفعل به ما يريد، وإن الله سينتصف لي).

غادرتنا منال كما عاشت، متسامحةً مترفعة عن الصغائر، ممتلئةً باليقين.

لم تكن تبحث عن صورة ولا عن تصور في أذهان البعض، بل كانت تعمل لأن ما استقر في روعها أن العمل قيمةٌ وعبادة، وقد كان الله وُجهتها في كل أمر.

رحلت وهي على صدر زعامة المجهولين الذين يحملون الدنيا على أكتافهم في صمت.

“إننا اليوم لا ننعي منال أحمد موسى كعابر سبيل مَرّ في ردهات الأثير ومضى، بل ننعي (بصمةً) لا تمحوها الأيام، وسيرةً عُجنت بطينةِ الإخلاص وترفُّعِ الأنبياء، لقد غادرتنا هذه الإنسانة التي لم تلهث يوماً خلف بريقِ اسمٍ أو صدارةِ مشهد، لتترك خلفها أعمالاً هي في حقيقتها شهاداتُ حقٍّ ناطقة، تخبرنا أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بمساحات الظهور، بل بعمق الأثر.”.

إنّ رحيل منال، بهذا الهدوء وهذا النقاء، يجب أن يكون “مَنفذاً للضوء” وصحوةً للضمير المهني، ليلتفت كل صاحب ضمير إلى أولئك القابعين في الظلال الوارفة الذين يحترقون بصمتٍ ليضيئوا دروب الآخرين، وأولئك الذين لا تلتقطهم حساسية الإداريين ولا تلتفتُ إليهم مساقطُ نظر أصحاب القرار، لأنهم آثروا مبدأ العمل على شططِ الجدل، والعطاءَ على الادِّعاء.

لقد كانت منال “درسنا القاسي” في كيفية تقدير الجواهر وهي بين أيدينا رحمها الله.

إن فقدها اليوم يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية تجاه أصحاب القدرات الكبيرة الذين يعيشون على حواف المشهد، ويُجابهون عسف الإدارات وظلم الظروف بقلوبٍ متسامحة، ونفوسٍ أبية كأباء منال التي حين مسها الضر وأصابها سهم الظلم، لم ترفع شكواها لغير ربها في السماء.

 اللهم إنّ “منال” بين يديك فأجزل لها العطاء في جناتك، وعوض صبرها وبرد يقينها مقاماً علياً مع الصديقين.

سلامٌ على روحك الطاهرة، وسلامٌ على ذكرى “الجندي المجهول” الذي أضاء لنا عتمة دروب المهنة، ومضى في صمتِ العظماء.

 وداعاً صانعة الضوء من خلف الكواليس، لقد كنتِ برهاناً حياً على أن “الخفاء” قد يكون أبهى وأبقى من كل ضوء.

 قرِّي عيناً فقد تركتِ فينا معنىً من المعاني السامية ونوراً يهدينا لنتلمّس الوفاء فيمن هم بيننا، قبل أن يوارينا ويواريهم الثرى.

رحم الله منال أحمد موسى، وجعل صبرها وتسامحها في ميزان حسناتها، وأسكنها في علين مع الذين “لا يُريدون عُلواً في الأرض ولا فساداً”.

نسأل الله اللطيف بعباده الرؤوف الرحيم أن يجعل الصديقة العزيزة الراحلة (منال أحمد موسى) في أعلى جنانه في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، نسأل الله تعالى لهذه النفس الزكية التي فاضت إلى ربها وبارئها أن تكون من أصحاب الجنة مع المخلصين الصادقين الصالحين في أعلى جنان الله في خلدٍ ومقامٍ أمين، إننا إذ نودعها ببالغ الأسى فإننا موقنون بكامل الرضا بقضاء الله وقدره، ونحسب أننا نودع اليوم نفساً مطمئنة فارقت دنيانا بعد أن تركت خلفها أثراً لا يمحوه الغياب، وذكراً يفوح بعبير التقوى والصلاح، ونكتب عنها بمداد التقدير والوفاء.

تعازينا الحارة لكل أهلها وأحبابها ومعارفها مع عظيم المواساة في هذا الفقد الموجع،  اللهم إن منال كانت ليِّنة الجانب، طيبة الأثر، محسنةً في كل امر، فاجعل إحسانها شفيعاً لها، وبدّل سيئاتها حسنات، عرفناها برقة القلب، وعذوبة الروح، ووجهٍ لا يفارقه الرضا. كانت ممن ألانُوا جانبهم، فلانوا للناس، وعاشوا بينهم بسلامة الطوية ونقاء السريرة، وفي مثل طيبتها ورقّتها وإنسانيتها نستذكر قول النبي ﷺ : “حُرِّمَ على النَّارِ كلُّ هيِّنٍ ليِّنٍ قريبٍ سَهْلٍ” فكانت هي الهينة في تعاملها، القريبة من القلوب بتواضعها، السهلة في بذلها وودّها.

ولقد كانت صابرةً محتسبة في أصعب الظروف وظلت كشجرةٍ طيبة الأصل، ثابتة الجذور، فرعُها في السماء.

 وهذا ديدن السيدات الفضليات الأطهار.

فاللهم أنت الشاهد على القلوب والمثبت لها والمطيب للخواطر والجابر للكسور والملطف للحشا، ثبِّت قلب أحبابها وجميع أسرتها وطيب خاطرهم ولطِّف دواخلهم، وأفرغ فؤادهم مما عدا ذكرك والإهتداءِ بهديك، وتقبل منال في مقامٍ عليٍّ عندك يا سيدنا ويا مولانا، إنك أنت ربنا القادر لا إله الا انت وحدك لا شريك لك.. وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع