
ضمن مشروع (مندي بساتين المعرفة)، وبالتعاون مع (دار المصوّرات)، صدر حديثًا الديوان الشعري الأول للشاعر مجتبى منّان بعنوان (حزنٌ يخدشُ جدار قلبي)، في تجربة تؤسس لبداية إبداعية واعية تنتمي إلى قصيدة النثر، وتشتغل على الحزن بوصفه سؤالًا إنسانيًا ومعرفيًا، لا مجرّد حالة عابرة.
يمتهن مجتبى منّان الذي يدرس الهندسة الميكانيكية بجامعة أم درمان الإسلامية كتابة الشعر النثري بحساسية عالية، ويقدّم نصوصًا تنساب بسلاسة وتأملٍ عميق، في أسلوب يذكّر بتجارب شعرية عربية مؤثرة في هذا المسار، مثل أدونيس، وأمل دنقل، ونزار قباني في نصوصه النثرية، ومحمود درويش في بعض أعماله القريبة من النثر الشعري، من حيث الاشتغال على الصورة، والانزياح، وفتح المعنى على احتمالاته الوجودية. وهو، بطريقة لافتة، قادر على وصف الأشياء اليومية والعلاقات والمشاعر بلغة هادئة لا تخلو من حدّةٍ داخلية، لا يجيدها إلا شاعرٌ تمرّس طويلًا على الإصغاء للعالم.
وفي شهادة صادقة تعكس جانبًا مهمّاً من سيرته الذاتية، يقول مجتبى منّان عن دهشته الأولى من لحظة صدور ديوانه، إنه لم يكن يتخيّل يومًا أن يرى اسمه على غلاف كتاب موضوعًا على رفوف المكتبات إلى جوار أعمال أدبية كبرى، بعد نشأةٍ بعيدة تمامًا عن الأدب، في بيئة ريفية تقدّس العمل اليومي الشاق، والمواسم الزراعية، والأسواق المكتظة، وميادين كرة القدم الترابية، حيث كان الحلم بسيطًا ومحدودًا، أن يكبر المرء ليعمل ويكسب رزقه.

ويشير محمد المجتبى عطا المنان المولود بالهلالية بولاية الجزيرة إلى أن القرى، بطبيعتها القاسية، تُحمّل أبناءها المسؤولية باكرًا، وتحرق طفولتهم بالغربة، فينشأ الإنسان أسير تصوّراتٍ جاهزة عن الحياة، قبل أن يكتشف لاحقًا أن جوهر الإنسان هو الحريّة: حرية الفكر، والاختيار، والرأي، والسير في الدروب الخاصة.
من هذا التحوّل ولدت علاقته الحقيقية بالشعر؛ ذلك الشعر الذي كسر صمت الأمكنة، وفتح الأقفال، وحرّره لا كما يريد العالم، بل كما أراد هو. شعر جعله يرى الأشياء بعينٍ أخرى، القط والفأر كدورة حياة، الشجرة والنهر كذاكرة، الإنسان والقبر كسؤالٍ مفتوح.
شعر يتحوّل إلى مشرط يكشف صدور الأشياء، ويبحث عن دلالاتها العميقة.
ويصف مجتبى ديوانه الأول بأنه كتاب “مفخّخ بالحزن”، مدركًا أن القارئ غالبًا ما يلهث خلف السعادة لا خلف الحزن، لكنه يترك الباب مفتوحًا لاحتمال أن يتعثّر به قارئ ما، فيجد فيه صديقًا يشاركه أسئلته، ويبكي معه اليتامى والرجال الوحيدين، ويتأمّل سواد العالم وطعناته المفاجئة.
ويختم الشاعر باعترافٍ واضح بالامتنان، مؤكدًا أنه مدينٌ للشعر، وللرعشة الأولى التي قادته إلى هذا الطريق، ولكل من وقف خلف إنجاز هذا المشروع الأدبي، وقدّم مجتبى شكره الخاص لمؤسسة (مندي لثقافة السلام وإدارة التنوع) على دعمها المتواصل وتشجيعها له.




