مقالات

عبد الكريم الكابلي .. مطر الإبداع في خريف البلاد (3/1) 

صلاح شعيب 

بحلول أوائل الستينيات عرف أهل السودان الكابلي كنجم غنائي يكتب الشعر، ويبذل الألحان، ويختار الجياد من صور الشعر.

وفي نفس تلك الفترة أظهر اهتماماً عميقاً بالتراث الشعبي السوداني بصفة عامة، وبالغناء الشعبي في مناطق السودان التي تأثَّرت باللغة العربية بصفة خاصة، وكم تمنى لو أنه عرف أكثرية لُغات أهل السودان”.

ويقول الكابلي في حوار أُجْري معه بصحيفة (الشرق الأوسط) إن “نشأته من جذورٍ لعائلة أبيه تعود إلى مدينة كابل الأفغانية، ومن جذورٍ تعود إلى جبل مرة في دارفور لعائلة أمه”.

وقال الكابلي للصحيفة، إن جينات والدته تنحدر من فرع من قبيلة الفور وهم (الكنجارة)، وأنه وُلِد في الشرق، وعاش ردحاً من الزمان في الشمال، ثم انتقل للعاصمة.

ويرى أن هذا المزيج منحه الفرصة للاهتمام بالتراث السوداني، ومحاولة تمثله في مشروعه الفني الذي تجاوز نصف قرن ونيفاً.

ويقول الناقد الراحل عبد الهادي الصديق: إن بداية الكابلي الغنائية “تفتحت أول مرة عبر مسالك الأناشيد المدرسية، وهو لا زال يعزف على آلة الصفارة، وأدى تشجيع أستاذه ضرار صالح ضرار إلى نيله جائزة في إلقاء الشعر وهو يلقي رائعة صفي الدين بن الحلي.. (سل الرماح العوالي عن معالينا).

وانتقل من المدرسة المتوسطة إلى الثانوية الصغرى بأم درمان. وهو يجيد العزف على آلة العود، وقد أكمل قراءة طه حسين والمنفلوطي وما إليهما، ولكنه لم يشبع فأخذ يدندن بأشعار المتنبئ.

وفي أم درمان دخل ندوة عبد الله حامد الأمين فانتقى منها عقداً منضداً من عيون الشعر السوداني”.

أمّا كابلي نفسه، فيقول لصحيفة الخليج: “بدايتي كانت موهبة فِطْرِية، وعشقاً للفن في شتى صوره، وللغناء بوجه خاص، وظلَّت البداية تنمو وتتشكل حتى تأسست شخصيتي.

صحيح أنني لم أكُنْ على وعي بمكنون هذه الشخصية، ولكن بكثير من الصبر، والمثابرة، استطعت التوصل إليها، وهي شخصية تستلهم القديم، ولا تقلده، وتستشرف الحديث دون أن تفقد هويتها وأصالتها”.

ويضيف : شأني كمعظم المخضرمين، لم أجد طريقي مفروشاً بالياسمين إنَّما اصطدمت بعقبات جَمَّة، من أهمها أن المجتمع لم يكن ينظر إلى الفن باحترام، وكان الفنان يحتل مرتبة متدنية من السلم الاجتماعي، غير أن هذا الأمر قد تغير في ما بعد”.

ويتفق الموسيقيون أن الفنان عبد الكريم الكابلي يمتلك واحداً من أجمل الأصوات الغنائية التي أنجبتها بلادنا.

ولا يمكن التأريخ لمسار الأغنية السودانية دون إفراد حيز كبير للدور الذي لعبه الكابلي في تجديد أصول الغناء، والتفريع لأنواعه. ليس ذلك فحسب، فالمجهود الفني للكابلي يتوازى مع دوره الكبير كمبدع مثابر حمل بعض أحلام اجتماعية، وسياسية، لأجيال عديدة، وعبر عنها من خلال مشروعه الغنائي الذي قام على أعمدة من المعارف العامة، والموسيقية على وجه التحديد.

كما يشير بعض الموسيقيين إلى أن الأسلوب السهل الممتنع الذي عرف به الكابلي في التلحين يتناسب مع طبيعة تعامله السهل مع واقعه الحياتي، وتواضعه الإنساني الجَم، ورهافة إحساسه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع