مقالات

عقلية الهيمنة والوصايا : من مادورو إلى مينيابوليس

عبد الجليل سليمان

التحذير الذي أصدرته وزارة الخارجية الألمانية لمواطنيها بشأن السفر إلى الولايات المتحدة ليس مجرد نصيحة عابرة، بل انعكاس لتقدير عالمي لتوتر داخلي يعيش فيه المجتمع بين ممارسة السلطة وحماية الحقوق الأساسية.

تصاعد الاحتجاجات وتوتر العلاقة بين المواطنين والسلطات في المدن الكبرى يعكس اختبارًا مستمرًا لقدرة الدولة على ممارسة سلطتها ضمن حدود مقبولة، دون أن تتحول إلى تهديد مباشر للحريات الفردية.

على الساحة الدولية، امتد نفس منطق القوة إلى الخارج. اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة يؤكد اعتماد الإدارة الأميركية القوة كأداة مباشرة للإكراه السياسي.

المناقشات حول شراء غرينلاند، وتهديد ضم كندا أو اعتبارها ولاية أميركية، تشكل امتدادًا للمنطق نفسه الذي يظهر داخليًا:

 ” القوة أداة لإرغام الأفراد والدول على تبني رؤية سياسية محددة”.

في الداخل، يبرز حادث مقتل الممرض أليكس بريتي في مينيابوليس كمرآة لما يمكن أن يحدث حين تُمارس السلطة بلا ضوابط. الاحتجاجات التي أعقبته لم تعد مجرد ردود فعل على حادث محدد، بل تعبير عن تصاعد توترات متراكمة تكشف حدود قدرة الدولة على الجمع بين القانون وحماية الحريات.

تطبيق قوانين الهجرة بشكل صارم من قبل الإدارة الفدرالية، واشتباكات الشرطة مع المتظاهرين، يوضحان أن القوة لم تعد مجرد وسيلة لتنظيم المجتمع، بل أداة لإثبات السيطرة، حتى على أولئك الذين يفترض أن يكونوا محميين بموجب القانون.

في هذا الإطار، يبرز سؤال فلسفي جوهري: هل يمكن للسلطة أن تحافظ على شرعيتها حين تصبح القوة هدفها الأساسي؟ حين تتقاطع الممارسات الداخلية مع الضغوط الخارجية، تتحول الدولة إلى كيان يختبر حدوده مع ذاته ومع العالم، وتصبح الحماية والضغط وجهين لعملة واحدة. الاحتجاجات، التحذيرات الدولية، والسياسات العدوانية كلها إشارات إلى أن إدارة القوة تتطلب توازنًا دقيقًا بين السيطرة والشرعية، وأن أي خلل في هذا التوازن يظهر سريعًا في الداخل والخارج على حد سواء.

في النهاية، ما نشهده في الولايات المتحدة اليوم ليس مجرد أزمة سياسية أو حادثة عابرة، بل دعوة لإعادة قراءة معنى القوة، ودراسة العلاقة بين السلطة والحق والحضور الإنساني في مجتمع حديث، بهدوء وعمق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع