
أجبر تصاعد القتال وتزايد معدلات الانتهاكات ضد المدنيين في قرى ولايات كردفان الثلاث وبعض المدن والمناطق بإقليم دارفور آلاف الأسر من الطبقات الفقيرة وسكان البادية والرحل على النزوح من أرياف السودان للمرة الأولى إلى المدن في هجرة عكسية هرباً من أوضاع أمنية معقدة وبحثاً عن الأمن، وكذلك العيش في ظل ظروف مختلفة بمناطق حضرية، على رغم اختلاف البيئة وتفاصيل الحياة اليومية.
ومنذ أشهر تحول مسرح العمليات الحربية والمعارك الشرسة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” من المدن الكبرى مثل الخرطوم وود مدني وسنار إلى إقليم كردفان وولاية شمال دارفور. وإثر تصاعد هجمات “الدعم السريع” على المدنيين، ارتكبت هذه القوات مجازر إضافية في حق سكان القرى والأرياف، مما أدى إلى تزايد حوادث القتل خلال الفترة الأخيرة، إذ وثقت منظمات حقوقية وناشطون مئات الوفيات.
حوادث القتل
شهدت الفترة الأخيرة هجمات عنيفة من قبل قوات “الدعم السريع” على قرى عدة في ولايتي شمال وجنوب كردفان، وكذلك أرياف إقليم دارفور، مما أسفر عن مئات القتلى وعشرات المصابين والجرحى.
هجر الرعي والزراعة
جراء هذه الأوضاع اضطر الآلاف من سكان القرى والمناطق الريفية إلى ترك مهنة الزراعة والرعي للمرة الأولى في حياتهم ونزحوا نحو المدن، مما يهدد موسم الزراعة التقليدية في السودان، فضلاً عن فقدان الثروة الحيوانية نتيجة عمليات النهب والسلب المتكررة لمئات رؤوس المواشي من الضأن والماعز، إضافة إلى تعرض رُعاة كثر للقتل بسبب مقاومة اللصوص والمجموعات المسلحة خلال رحلة التنقل في المراعي.
ويمثل الرعاة رموزاً للثراء والمكانة الاجتماعية في بوادي كردفان ودارفور، ويستفيد نحو 26 مليون سوداني من قطاع الثروة الحيوانية بصورة مباشرة، بحسب بيانات البنك الدولي، وتشكل المهن المرتبطة بهذا القطاع وعلى رأسها التربية والرعي حرفاً أساس لكثير من السودانيين.
ويعتمد ما يزيد على 80 في المئة من سكان القرى على القطاع الزراعي والحيواني لتوفير حاجاتهم.

فوارق وقيود
المواطن عمر إدريس الذي نزح من قرية أم كريدم بولاية شمال كردفان إلى مدينة كوستي قال إن “هجمات “الدعم السريع” العنيفة على قرى وأرياف الولاية أجبرت آلاف السكان على النزوح إلى المدن الحضرية، على رغم اختلاف البيئة وتفاصيل الحياة اليومية”.
وأضاف أن “أبناءه يواجهون صعوبات عدة في عملية التكيف الاجتماعي إلى جانب قيود المدينة وإرهاقها والشعور بالوحدة والاختناق من ضيق مساحات المنازل”.
وأوضح إدريس أنه “يعمل في مهنة الزراعة لما يقارب الـ30 عاماً، وبعد نزوحه من القرية إلى المدينة بات مضطراً إلى البحث عن عمل جديد لتوفير حاجات أسرته اليومية، بخاصة بعد فقدانه لمدخراته المالية ونهب محاصيله الزراعية”.
ميزات مفقودة
من جهته، رأى الطيب حسين الذي نزح من قرية أم عويشة قرب النهود بغرب كردفان إلى مدينة الأبيض أن “إمكان الاستغناء عن العيش في القرى غير ممكن لاعتبارات عدة منها افتقار المدن للسلوك الريفي والتعايش من دون صعوبات، فضلاً عن عدم توفر سبل الراحة النفسية والحصول على دعم ومساندة كافية ممن حولك”.
وأشار إلى أنه خلال ستة أشهر فقط سئم ضجيج المدن وزحامها، بخاصة أنها لم تحقق له الاستقرار النفسي الذي يجده في قريته، وكذلك فشل في “تكوين علاقات اجتماعية عميقة”.
ونوه حسين بأنه “تعرض لخسائر فادحة بعد سرقة قطيع من الإبل يتكون من 60 ناقة و30 جملاً من قبل مسلحين، مما أدى إلى فقدانه لمهنته الأساسية، وبات يعمل في غسل السيارات من أجل توفير المال لإعالة أسرته.
وتابع “المجموعات المسلحة ارتكبت انتهاكات واسعة وجرائم بشعة في قرى ولاية غرب كردفان، شملت القتل والاختطاف ونهب الممتلكات”.




