
أحد أخطر آثار حرب السودان الحالية هو تآكل الطبقة الوسطى في البلاد وتحولها إلى طبقة مطحونة تعيش على حافة الفقر، نتيجة التضخم والانهيار الاقتصاد وقيمة العملة الوطنية المتسارع وفقدان الوظائف ونهب ممتلكاتها ومدخراتها، وانهيار قيمة الجنيه السوداني.
وحولت الحرب المستمرة منذ أبريل عام 2023 حتى اليوم، ملايين من المواطنين ممن كانوا ميسوري الحال من الفئات التي كانت مستقرة مادياً في السابق إلى فئات مُعدمة تعاني من الفقر المدقع، وسط انقسام اقتصادي حاد ما بين أثرياء يملكون كل شيء وفقراء هم في الواقع (موظفون ومهنيون) دمرت الحرب مصادر دخلهم ومدخراتهم.
تآكل خطر
في السياق يقول المحلل الاقتصادي أبوبكر زين العابدين، إن من أخطر إفرازات حرب السودان أنها أدت إلى تآكل خطر في الطبقة الوسطى، وحولتها من فئة ميسورة الحال إلى طبقة مطحونة ترزح تحت وطأة الفقر، مما انعكس بدوره في تراجع وانهيار القدرة الشرائية لهذه الشريحة المؤثرة في الاقتصاد والمجتمع السوداني.
يشير زين العابدين، إلى أن التدمير الواسع للقطاع الإنتاجي الصناعي الذي شمل أكثر من 90 في المئة من القطاع الصناعي بجانب الخدمي في الخرطوم على وجه الخصوص، أدى إلى فقدان 150 ألف عامل لوظائفهم، ونزوح واسع للكفاءات المهنية عقب تدمير مصادر دخل ملايين الأسر.
الريف والحضر
يرى المحلل الاقتصادي أن “من أكبر الضربات التي تعرضت لها الطبقة الوسطى في المدن هي خسارة مدخراتهم وممتلكاتهم نتيجة عمليات النهب الواسعة وتشتتهم كنازحين ولاجئين، والتحول إلى طبقة معدمة تنتظر المساعدات الإنسانية، ثم فاقم انهيار القيمة الشرائية للعملة عجز تلك الطبقة عن توفير أساسيات الحياة، لتلتحق بالكامل بالطبقة الفقيرة”.
يردف، “لم يقتصر الأمر على المدن الكبرى فحسب بل إنه حتى على صعيد الأرياف، حدث اختفاء شبه كامل للطبقة الوسطى التي تمثل عصب الاستقرار المجتمعي، إذ تسبب التدمير الذي تعرضت له البنية التحتية الزراعية في انهياره مع قطاع الثروة الحيوانية وفقدان 50 في المئة من القطيع القومي في انهيار دخل الفئات المتوسطة داخل الأرياف”.

تجارب مرة
عن تجربته الشخصية يقول أستاذ الهندسة الجامعي (و. ع. ع) ويشغل وظيفة أستاذ مشارك بمستوى الدرجة الأولى بالخدمة العامة، “قبل الحرب كنت وأسرتي من ميسوري الحال نمتلك منزلاً بكامل المستلزمات وسيارة من الفئة المتوسطة، أما اليوم فلم يبق من هذا المنزل إلا المبنى والجدران بعدما خسرت كما كثيرين كل مقومات حياتي السابقة، وربما لم يعد في العمر متسع لتعويض ما فقدناه”.
يتابع، “هناك زملاء في نفس المجال ومن الأساتذة الجامعيين اضطروا للعمل في مجال بيع الخضروات والسلع الهامشية ويعمل بعضهم عمالاً للتعبئة في البقالات والمطاعم”، لافتاً إلى أن هذا الواقع المؤلم الذي يبلغ فيه راتب درجة البروفيسور بالجامعة 500 ألف جنيه سوداني، ما يعادل حوالى (140 دولاراً) خلال الشهر اضطر كثيرين من أصحاب الكفاءات والمهارات لمغادرة البلاد نتيجة إما لضعف الرواتب أو لانعدام الفرص وبيئة العمل، على أمل إيجاد فرص أفضل تمكن من العيش مجدداً.
مظاهر وخلل
على نحو متصل يوضح الأستاذ الجامعي والمحلل الاقتصادي محمد الناير، أن مظاهر اختفاء الطبقة الوسطى بالسودان بدأت منذ فبراير (شباط) عام 1992 عند إعلان سياسية التحرير الاقتصادي بالتزامن مع تعويم سعر صرف الجنيه السوداني وعلى خلفية إعلان سياسة سعر الصرف المرن، مما قاد إلى ارتفاع قياسي في معدلات التضخم والأسعار، ومنذ ذلك الحين بدأت الطبقة الوسطى في الانزواء والتلاشي والانتقال إلى قائمة الفقراء.
ويشير الناير، إلى أن “هذا الواقع يمثل خللاً كبيراً في بنية المجتمع والاقتصاد معاً، لكن الوضع وقبل أن يكتمل التحسن الذي شهده وضعها مع ظهور وإنتاج البترول والعودة التدريجية لتلك الطبقة في مطلع الألفية الراهنة، أطلت الأزمة العالمية وانفصال جنوب السودان ومعه أكثر من 85 في المئة من عائدات النقد الأجنبي و50 في المئة من إجمالي الإيرادات الدولة لتؤثر بشدة على وضعية الطبقة الوسطى بالبلاد”.
تعقيدات متضافرة
الأستاذ الجامعي والمحلل الاقتصادي محمد الناير يوضح أيضاً، أنه “قبل أن يتعافى الاقتصاد برزت تعقيدات جديدة على رأسها أزمة جائحة كورونا وصولاً إلى اندلاع الحرب الراهنة، وقد أثرت جميع تلك التعقيدات متضافرة بجانب عمليات النهب الواسعة التي تعرضت لها مدخراتها وممتلكاتها من أموال وذهب وغيرها، على وضعية الطبقة الوسطى وعمقت جراحها وتراجعها الكبير”.
ويلفت الانتباه إلى أن الضربة الموجعة التي تعرضت لها الطبقة الوسطى، بخسارة مدخراتها وممتلكاتها، مطالباً الدولة بضرورة حصر تلك المنهوبات للكشف عن حجمها الحقيقي وحتى تكون درساً للمواطنين لتفادي الاحتفاظ بمدخراتهم داخل المنازل.

التضخم والعملة
يمضي الناير في حديثه فيقول، “بجانب خسارة المدخرات رفعت الحرب معدلات التضخم وتدهور سعر الصرف العملة بقفزات هائلة لسعر الجنيه مقابل الدولار من 500 جنيه إلى 2500 جنيه إلى 3500 جنيه، مما كان له أثره الصعب على معاش الناس وارتفعت معه معدلات الفقر والبطالة، بخاصة عقب تخلي القطاع الخاص عن نسبة كبيرة من العاملين، وتراجع أداء كثير من المؤسسات الاقتصادية في ظل الحرب”.
ويرهن المحلل الاقتصادي، عودة تعافي الطبقة الوسطى بمدى قدرة الفريق الاقتصادي للدولة على التعامل مع التحديات الكبيرة المرتبطة بسعر الصرف وتدهور العملة خلال فترة الحرب.
انهيار وتفكك
من جانبه يصف أستاذ الاقتصاد السياسي محمد نور الطيب، ما حدث للطبقة الوسطى بأنه انهيار واسع لكثير من الأسر التي فقدت مدخرات أعوام طويلة خلال فترة قصيرة، وكذلك مصادر الدخل الثابت نتيجة توقف آلاف المؤسسات الحكومية والخاصة في الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان وانقطاع الرواتب وفقدانها قيمتها الشرائية بسبب التضخم.
ويلفت الطيب، إلى أن من سمات الطبقة الوسطى هي الاعتماد على دخل ثابت أو متأرجح لكنه منتظم، وبتوقفه أو انقطاعه تنهار قدرتها على الاستهلاك والادخار.
وأدى إلى فقدان الوظائف إلى عمل كثيرين في مهن أقل من مؤهلاتهم وتسبب في تفكك شبكات العلاقات الاجتماعية والمهنية، ولما كانت الطبقة الوسطى غالباً ما تستثمر في التعليم كوسيلة للترقي الاجتماعي، فقد أدى تعطل الجامعات والمدارس لفترات طويلة إلى تهديد مشروعها الاستثماري في التعليم.
يتابع، “لذلك يلاحظ أن موجة النزوح الداخلي واللجوء الخارجي شملت مئات الآلاف من أسر الطبقة الوسطى المتعلمة وهجرة أطباء ومهندسين وأكاديميين إلى دول الجوار والخليج وأوروبا، بعد أن تحولت مدن البلاد الكبيرة من مراكز للإنتاج، إما إلى ساحات للنزوح أو سادها الفراغ الاقتصادي، فمدينة مثل الخرطوم خسرت جامعاتها ومصانعها وشركاتها، وفقدت بذلك قدرتها على تحريك التنمية والاستقرار نتيجة ضياع الطبقة الوسطى، وسيقود استمرار اضمحلال هذه الطبقة حال استمراره إلى تعقيدات مستقبلية كبيرة في خطط ومشروعات إعادة بناء الدولة بعد الحرب”.
الاقتصاد الموازي
أستاذ الاقتصاد السياسي محمد نور الطيب، يؤكد كذلك أنه “غالباً عندما تتسبب الحروب في إضعاف الطبقة المنتجة، تنتقل أسر كانت مكتفية ذاتياً إلى متلقية للعون والمساعدات، وتجد نفسها فجأة في مواجهة مع الفقر، في المقابل تقوى الطبقات الطفيلية بظهور ما يسمى الاقتصاد الموازي غير الرسمي، ويتسارع التضخم وتنهار القدرة الشرائية وترتفع أسعار السلع والإيجارات في دوامة تصطاد إلى داخلها مزيداً من مفردات الطبقة الوسطى”.
لذلك يشدد أستاذ الاقتصاد السياسي، على أن وقف الحرب يصبح هو الضرورة اللازمة لبدء أي عملية تعافي اقتصادي والإصلاح المالي وخفض الإنفاق الحكومي غير المنتج وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لضمان وصول السلع الأساسية والمساعدات لتقليل حدة الندرة في الأسواق تحسين بيئة الأعمال لإعادة رؤوس الأموال المهاجرة وجذب استثمارات أجنبية في قطاعات.




