مقالات

للمرة الثالثة .. رمضان خارج السودان..!!

محمد كامل سعيد

مدخل أول :

عشنا سنوات عديدة وطويلة، ونحن نتواجد خارج السودان لظروف العمل.. وكانت أيام الشهر الكريم تمر علينا ونحن نعاني ونعايش معاناة الغربة بعيداً عن الأهل والجيران والأصدقاء.

ولعل التفاصيل المنفردة للصيام، هي التي تجبرنا على استعادة الذكريات الرائعة في كل شئ.. خاصة المعاناته، والمواقف الشاقة (الجميلة) التي كنا نفتقدها ونحن كثيراً إليها، ونراها من على البعد وتظهر أمامنا كاجمل ما يكون.

ولعل تفاصيل المعاناة لا تكون رائعة وجميلة إلا لأفراد الشعب السوداني، الذين اعتادوا وحفظوا التفاصيل الصغيرة، وتعايشوا معها، وصاروا يحنون إليها، ويفتقدونها كل ما ابتعدوا عن البلاد عموما، ونجده دائما ما بشتاقون للمناطق التي نشأوا وتربوا فيها مع أهلهم وجيرانهم واصدقائهم.

مدخل مباشر :

رمضان الحالي، هو الثالث على التوالى الدي بمر علينا ونحن خارج البلاد، بعد ما تحولنا إلى نازحين بسبب الحرب اللعينة، التي شردت جل أفراد الشعب السوداني.. فمات من مات، ونهب من نهب.. وصار الجميع يعاني دون أي رؤية واضحة للحل القريب لهذه الإشكالية التي ستكمل اقتربت من إتمام عامها الثالث.

الغريبة أن غربتنا الحالية ليست (اختيارية)، بل هي (إجبارية) فرضت علينا، بعد ما تعرض جل أبناء الشعب السوداني للنهب، وفقد الملايين ممتلكاتهم ومقتنياتهم جراء الخراب الشامل الذي طال كل المنازل في معظم الولايات والمناطق والمدن والقرى، الي جانب التلف الذي حدث للبنية التحتية النمهارة اساسا..!!.

وكعادتي أكون حريصاً على أن أخرج عن اطار الكرة خلال هذا الشهر الفضيل، في مرات معدودة، واتناول اشياء علاقتها مباشرة بالقنوات السودانية.. برامجها خلال الأيام المباركة مع التأكيد على أن هذه المرة ستكون فيها التفاصيل مختلفة جداً.

شهد شهر الصيام الحالي عودة معظم القنوات التلفزيونية للبث، بعد توقف لفترة طويلة.. وبعض القنوات اختارت البث من خارج السودان، أو تسجيل برامجها بعيدا عن الاستديوهات الرئيسية، رغم العودة التي جاءت بعد غيبة، ورغم ذلك فإن جميع القنوات ظهرت بشكل باهت..!!.

قناة السودان.. كالعادة، وعلى الرغم من أنها لم تتوقف بتاتا، إلا أنها ظهرت بعيدة جداً عن المشاهد، وكانها تصر على تنفيذ الاجندة القديمة المتعلقة بتثبيت الفواصل الخرسانية المتين الموجودة بينها وبين المشاهد دون اي رغبة من قادتها في الاستفادة من العراقة والريادة والاصالة.

بقية القنوات، استانفت السباق على (الأغاني القديمة) وذلك بحشد مجموعة من الفنانين (من الجنسين) ظهروا وكأنهم في عرض ازياء، يرددون الأغاني القديمة، بنفس كلماتها والحانها.. حدث ذلك في معظم القنوات (النيل الأزرق والبلد الزرقاء).. نفس الفكرة الواحدة، لكن بشخصيات مختلفة..!!.

أما قناة الخرطوم، فلم تختلف كثيراً عن قناة السودان.. وهنا اعتقد ان ذلك التشابه حدث ربما لأن الخرطوم إنما هي في الأصل (من رحم القناة القومية).. لذلك كان من البديهي ان نتابع ذلك التطابق والتشابه في (الملل والتقليدية الارتجال)، وكل ما هو بعيد عن الابداع والتفرد..!!.

الأغاني، اعتقد أن فكرتها قد ماتت بعد رحيل أستاذنا الكبير المقيم السر قدور.. ولعل الأخ الصاوي سيظل (يتشابى ويتمطى ويحاول) لكنه لا ولن يتحصل الا على الفشل، لانه ببساطة هو الي وضع نفسه في دائرة ومحيط المقارنة مع القامة الفنية الشاملة ابو قدور الذي تميز في (الشعر والتلحين والتمثيل والدوباي والغناء)..!!.

الدراما، التي تنتعش في رمضان سنوياً في جميع القنوات، بحثنا عنها ووجدناها قد تلاشت بنسبة كبيرة هذا العام. وكان غياب (الدعيتر) والشخصيات الناجحة المرافقة له (الليموني وحنان جوطة) وغيرهما من أبرز التفاصيل التي افتقدناه، على الرغم من النجاحات التي حققتها تلك الحلقات في السنوات الماضية..!!.

ظهر أحمد الجقر بصورة باهتة، وقصة ضعيفة، اعتقد أن السيناريو كان فيها هو الحلقة الاضعف.. حيث لم تنافسه الا طريقة اداء الممثلين الذين ظهروا وكأنهم (بيسمعوا) في ظل غياب مخجل للموهبة وابسط التعابير التي نعرفها عن الدراما بالدول من حولنا..!!.

في المجمل، فإن الغلبة في القنوات السودانية خلال الشهر الفضيل كانت للبرامج الإخبارية، والحوارات البائسة الموجهة.. بجانب الإعلانات الباهتة.. وبصورة عامة فإن الحرب عصفت بقنواتنا عشرات السنين الي الوراء.. وربما تكون لنا عودة لهذه القصة في قادم الأيام بإذن الله.

تخريمة أولى : لأول مرة استمع بهدوء لأغنية (الجدي) للشاب الصاعد محمد بشير.. وحقيقة أعجبتني كلمانها، خاصة وانني لم اسمعها بتلك الصورة والطريقة الهادئة من قبل..!!.

تخريمة ثانية : برامج الأغاني التي انتشرت خلال الشهر الفضيل في معظم قنواتنا السودانية، ما هي الا تعبير وتاكيد عملي باننا شعب يرتبط بشكل كبير بالماضي في كل شئ.. الفنون والكرة والشعر وغيره..!!.

تخريمة ثالثة : قلناها بالأمس، ونعيدها اليوم، ونشير الى أن الدخلاء، على مجالات الإبداع خاصة الاعلام، هم الذين تسببوا في كل التجاوزات، وقادونا إلى التراجع والانهيار في قناتنا التلفزيونية، لأنهم ببساطة ولجوا المجال بالواسطة..!!.

همسة : للمرة الثالثة على التوالى يمر علينا شهر رمضان ونحن خارج السودان..(غصبا عننا).. ونسأل المولى عز وجل أن ينهي الحرب اللي ح تكمل العام الثالث بعد ايام، عشان نرجع ديارنا..!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع